الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 08:53 ص

مقالات وآراء

المفلسون يهدمون المعبد

حجم الخط

 

لم تظفر مصر منذ عهد محمد علي باشا بحكم ديمقراطي حقيقي. ولم تظفر في الوقت نفسه بحاكم مدني منتخب. مصر خضعت في تاريخها المعاصر إما لحكم العائلة (عائلة محمد علي)، أو إلى حكم العسكر (عبد الناصر، والسادات، ومبارك، والمجلس العسكري). هذه العناوين تعني أن مصر (محمد مرسي) تعيش مرحلة انتقالية لإنشاء حياة ديمقراطية حقيقية، يقوم على أسس وقواعد مستقرة وراسخة تفضي في النهاية إلى الخلاص من حكم العائلة، وحكم العسكر، وحكم الاستبداد.

 

الديمقراطية المستقرة ذات العناصر المكتملة هدف كبير، وغاية عظيمة لا يقوم على بنائها محمد مرسي والحزب الحاكم وحدهما، وإنما يقوم على بنائها الرئيس المنتخب والحزب الحاكم والمعارضة بكافة ألوانها السياسية، والنخبة المثقفة، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، والمساجد والكنائس، والرأي العام، فهي في النهاية مظلة الجميع، وتستظل بها الأجيال، لا يملك طرف القدرة على القيام بها وحده دون الآخر.

هذه البدهية التي يجتمع عليها الإسلامي والليبرالي واليساري والناصري والعلماني والشيوعي، باتت في مصر موضع شك واتهام، إذ تسمع للمعارضة المصرية بزعامة جبهة الإنقاذ فتحسب أنك تستمع إلى جبهة معادية تمامًا لأول رئيس منتخب، ولأول تجربة للتيار الإسلامي في الحكم، وتعدُّ من مظاهر العداء مكررًا ما قاله عبد الناصر والسادات ومبارك قديمًا، وتعد من مظاهره مكررًا ما قاله كل علماني وملحد عرفه العصر الحديث معاديًا لفكرة التدين أو الإسلام.

 

تابعت عن كثب الصحافة العبرية، والصحافة الغربية، والإعلام الليبرالي المصري، والإعلام اليساري المصري، وحتى فضائية دول عربية فوجدتها ترمي عن قوس واحد أسهمًا مسمومة تستهدف تجربة التيار الإسلامي في الحكم، وتضخ في مسامع الرأي العام المصري والعربي والعالمي من الإشاعات والأكاذيب والشكوك ما يمكنه أن ينسف الجبال الراسيات نسفًا، فيجعلها قاعًا صفصفًا.

 

عجبت كيف يلتقي (العبراني مع العربي مع الإفرنجي)، في هدم الدولة المصرية الديمقراطية التي بزغت كحلم وأمل في 25/يناير/2011م؟! لماذا تكأكأ كل هؤلاء المتشاكسون على تجربة بناء حياة ديمقراطية ونظام ديمقراطي بقيادة محمد مرسي، والحرية والعدالة بالشراكة مع الآخرين.

 

 

لماذا تجتهد جبهة الإنقاذ في هدم الديمقراطية، وهدم الدولة المصرية، وتخرج بالحكم في مصر من أزمة إلى أزمة؟! خرجت مصر من أزمة الدستور، لتدخل في أزمة التشريع في مجلس الشوري؟! وأما عن أزمة الاقتصاد والإفلاس فهي ميدان مترامي الساحات لمن يريد أن يهدم الدولة، ويجهض الاستثمار، الأمر الذي لا يضر بمرسي والإخوان، وإنما بكل مصري في الحاضرة أو في البادية. المعارضة المصرية تمارس أسطورة (شمشون) الجبار في هدم المعبد.

 

المفلس من يهدم، ويسب ويشتم. مصر لن تفلس، حتى وإن كان الهدم سهلاً، وممولاً، ومزينًا، ومنمقًا، ومتخفيًا وظاهرًا. مصر في عهد الجمهورية الثانية لن تفلس، والعنت الذي تواجهه التجربة الإسلامية هو كالنار التي تصهر الحديد، وتزيل شوائبه وخبثه لإعادة تشكيله نقيًا من جديد.

 

لقد أفلست المعارضة الليبرالية واليسارية وأحزابها من قبل ثورة 25 يناير 2011، لا في مصر فحسب، بل وفي كل العواصم العربية، وتقدمت الأحزاب الإسلامية في ظل حكم عبد الناصر والسادات ومبارك وهم سدنة اليسار والليبراليين، وفشلت الليبرالية واليسارية من بناء حكم رشيد أو ديمقراطي يحظى باحترام الشعب، لذا فإن إحساسهم بتراجع مستقبلهم يجعلهم يتجون إلى هدم مستقبل الآخرين، ولو بهدم الدولة المصرية نفسها، ومع ذلك فلن يصلوا إلى غاياتهم لأنهم هم المفلسون حقًا.