المتبصر في واقع السياسة الأمريكية الخارجية على مدار عقود من الزمن وكيفية إدارتها لطبيعة الصراعات العالمية ولا سيما الصراع في الشرق الأوسط والذي تم حرف مسار هذا الصراع أو اختزاله من صراع إسلامي صهيوني إلى صراع عربي إسرائيلي و من ثم إلى صراع فلسطيني إسرائيلي ثم إيجاد حالة من الاستفراد الإسرائيلي بجزء من الشعب الفلسطيني يرفض المحتل ويصر على مقاومته بحيث يتم إخراج وإبعاد القضية الفلسطينية من عمقها العربي والإسلامي لإدراكهم حقيقة هذا الاستبعاد وسياسة شق الصفوف، هو بمثابة الاستفراد بمن تبنى خط المقاومة في عملية استنزاف سياسي وميداني ترهق هذا الفصيل أو ذاك وقياداته ويقبل بعدها بأي طرح أو حل لطبيعة هذا الصراع على شاكلة ما حصل في جنوب أفريقيا ليتم حصر الشعب الفلسطيني في كانتونات يتحسن فيها الوضع الإنساني والحياتي دون الاعتراف له بأي حقوق أو سيادة على الأرض .
وأخطر ما في الموضوع أن الإدارة الأمريكية بمشروعها الصهيوأمريكي لم تكتف بإدارة الصراع أو حرفه عن مساره بل قلبت مفهوم الصراع، حيث إن مشكلة اليهود في العالم أنهم كانوا يبحثون عن إقامة وطن قومي لهم على أي بقعة ارض وهذا يعني أنهم لم يكن لهم وطن أصلا لا في فلسطين ولا في غيرها, وفي ظروف سياسية سيئة مرت على الساحة العربية وبمؤامرات دولية كبيرة احتلوا فلسطين وأقاموا عليها هذا الوطن المزعوم فاستوطن اليهود في فلسطين على أنقاض الشعب الفلسطيني في حين انقلبت الموازين وأصبح الشعب الفلسطيني بلا وطن ولا دولة ولا سيادة منذ انطلاقة مسلسل التأمر السياسي على الشعب الفلسطيني ومقدراته وبدأت محاولات التعتيم على الحق الفلسطيني وطرح محاولات التفاوض على أساس إعطاء حصة بسيطة للشعب الفلسطيني يُسجن فيها بُذلت فيها جهود من دول عظمى وعربية وازنة ومفاوضات عسيرة و بعد استجداء طويل ولظروف إنسانية بحتة دون اعتراف لهذا الشعب بحقه على أرضه وسيادته في وطنه .
وبالتالي الوطن موجود ومغتصب والحقوق موجودة ومنكرة، فالشعب الفلسطيني لا يبحث عن وطن ولا يستجدي الحقوق بل يريد تحرير هذا الوطن واستقلاله من اليهود المغتصبين لإحقاق الحق الفلسطيني, وعليه فإن كل محاولات التفاوض مع الاحتلال وكل مبادرات الحلول المجتزأة ابتداءً من قرار التقسيم 181 سنة 1969 ومرورا باتفاقية أوسلوا وخارطة الطريق والمبادرة العربية، كلها في مضمونها تعتبر تغييباً للمفهوم الحقيقي لطبيعة الصراع مع العدو الصهيوني فالأصل العودة للعمق العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية فهي جزء من الوطن العربي والإسلامي بحيث يستجدي من لا وطن له ولا ارض حلا وليس من وطنه موجود يطلب الإذن أن يعيش فيه على الفتات منكر الحقوق مسلوب الحرية .
فكل محاولات التسوية هي بمثابة دس السم في العسل فهي قائمة على أساس الرفض الإسرائيلي والضعف الفلسطيني وفرض سياسة الأمر الواقع ومن يطرح هذه المشاريع يعلم أن التعنت الإسرائيلي برفض إعطاء أي شيء للشعب الفلسطيني وإذا كان المفاوض الفلسطيني والإجماع العربي هدفهم إحراج الإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي أو اختبار نواياهم، فلا يجب أن تخضع القضية الفلسطينية بعد عقود من المعاناة والقتل والإجرام والحرمان لقوانين وسياسات الملاعب، وفي ملعب من تكون الكرة ؟ ولا يتعدى الأمر كله تسجيل نقاط لا تعيد حقـًا ولا تقهر عدوًا ، ففي ظل فشل كل السياسات في عودة الحق الفلسطيني ووضوح التعنت الإسرائيلي واستمرار الدعم الأمريكي أليس من الضروري التفكير في تغيير جدي في المواقف العربية والإسلامية وإحداث نوع من التوازن يعكس سياسة جديدة قائمة على أساس وحدة الموقف العربي على الأقل والإسلامي الداعم له يدفع باتجاه تغيير قواعد اللعبة وتقف الدول العربية موقفـًا موحدًا يطالب بحق الشعب الفلسطيني ويعزز صموده ومقاومته عمليـًا وفعليـًا على الأرض يحظى بموقف إسلامي داعم ومعزز لهذا الدعم بحيث تصبح أمريكا بحاجة إلى الدول العربية والإسلامية وليس العكس، حتى ترعى مصالحها المرتبطة بالواقع العربي والإسلامي بعيدًا عن ارتباطها بالكيان الصهيوني الذي بات مرفوضاً من شريحة كبيرة من المجتمع الأمريكي والأوروبي، وتبدأ بتعرية هذا الكيان المسخ ويصبح في حالة انكماش ممنوع من التمدد والاستفراد، والأمر ليس صعبـًا فعلى مدار التاريخ العلاقات السياسية للدول العظمى مبنية على أساس المصالح وتحديدًا الإدارة الأمريكية ، ووفقـًا لكل هذه المتغيرات في قواعد اللعبة وهذه ليست صعبة فإسرائيل ليست جزءاً من الولايات المتحدة الأمريكية وليست جزءً من الاتحاد الأوربي وكيان صغير , إلا أنها نجحت في ترسيخ وتجسيد منظومة أمريكية وأوربية تحمي هذا الكيان رغم حالة الضعف التي مرت بها أوروبا في يوم من الأيام ورغم حالة الانهيار التي ألمت بالاتحاد السوفيتي.
فتغيير قواعد اللعبة يُخرج العرب من حالة الاستجداء المبنية على أساس'شيء أحسن من لا شيء' أو 'ليس بالإمكان أفضل مما كان'.
فأنابوليس يجب ان تكون محطة للتغيير والانطلاق من حالة الاستضعاف والانقسام العربي والفلسطيني إلى حالة الاستقواء المبني على وحدة الصف والكلمة والموقف والإجماع وتشكيل منظومة عربية موحدة وقوية تدعمها منظومة إسلامية أيضـًا موحدة وليست أمريكا وأوروبا من أصحاب القيم والأصالة والدين والغيرة على العرض والأرض بعيدة عن الهيمنة الأمريكية والأوروبية وتاريخ العرب والمسلمين سجل محطات خالدة في هذا الأنموذج الأصيل.
وعندما ذكرت أنابوليس كمحطة لهذا التغيير كنت أعني ما أقول وبكل تأكيد لأن الدول العربية والإسلامية والسلطة الفلسطينية ستعود بأوراق بيضاء عليها كلمات بالحبر الأسود وليس عليها نقاط وليس بينها فواصل ومتشابكة ومعقدة تحتاج إلى عقود من الزمن حتى تفك شفرتها ويكتشف الجميع أن الأوراق التي بأيديهم لا تسمن ولا تغني من جوع وأن الأوراق التي حصل عليها الاحتلال الصهيوني في حفل تكريم الرئيس بوش لنجاحه في إحداث إجماع عربي مقابل الكيان الصهيوني الحاضر فعلا وقولا ومكانةً لأول مرة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية الداعمة للمحتل الإسرائيلي وتكون فيه أمريكا قد قلبت موازين القوى وقواعد اللعبة من جديد وترسخ مفهوم أن الشعب الفلسطيني بلا وطن ويبحث عن مكان يحتمي به ولا بد من تحسين حياته اليومية والإنسانية وترسيخ مفهوم يهودية الدولة العبرية وقلب قواعد اللعبة التي يجب أن تكون لترسيخ مفهوم معاكس تماما لمفهوم السياسة الصهيوأمريكية ويبنى على أساس أن الوطن موجود والشعب الفلسطيني موجود وقوى الدعم والصمود موجودة وأننا لا نبحث عن وطن ولا عن حلول بل نسعى إلى تحرير هذا الوطن من المحتل الغاصب .