الثلاثاء 20 يناير 2026 الساعة 02:23 م

مقالات وآراء

بلاد طاردة للعلم والعلماء حاضنة للطغيان والطغاة!

حجم الخط

 

لا تنفك الاحصاءات والدراسات والاستطلاعات الرسمية والشعبية تدلل لنا على فشل ذريع في تحقيق أي نوع من أنواع التقدم، والنهضة العلمية التي تحتاج الى خطط وموازنات ضخمة توازي الموازنات المخصصة للدفاع والأمن والردع، ومعظم الدول العربية، باستثناء النفطية، تعاني عجزا في كل جوانب الموازنة، إلا أنها غلبت مؤخرا موازنات الدفاع والتسليح على موازنات التعليم والتأهيل والبحث العلمي، متجاهلة عن قصد أن العلم والاكتشاف هما أدوات التطوير الحقيقي وتحقيق حياة فضلى وآمنة للوطن والمواطنين، ولكن عقل طغاة العرب يوجههم إلى أن يستثمروا في أدوات البطش لا في أدوات البناء! فجسد بلا عقل كآلة أو دابة تتحرك بأمر من يسيرها، ولكن العقل يفكر ثم يتحرك او يتوقف، وأصحابه لا ينفعون مع الطغاة الذين يريدون التلبية دون استفسار والطاعة دون نقاش.

 

وقد أظهرت قائمة اربيان بيزنس Arabian Businessلأهم 500 شخصية الأكثر نفوذا في العالم العربي عام 2012 اسم 28 عالما فقط بنسبة 5.6% منهم خمس عالمات، وأن 52% من العلماء العرب البارزين يعيشون في الخارج، وتحديدا في أمريكا وبريطانيا وفرنسا والبرازيل.

وأهم الدول التي جاء منها العلماء أصلا هي: مصر ولبنان بسبعة علماء لكل منهما، والسعودية والإمارات بثلاثة علماء لكل دولة، وقطر والجزائر عالمين، والكويت والسودان والأردن وسوريا بواقع عالم واحد لكل دولة، ومن هؤلاء: سامح دروزة الأردني مؤسس شركة الحكمة الدوائية، وإلهام القرضاي استاذة الفيزياء النووية في جامعة قطر، وجراح القلب البريطاني من أصل مصري الملقب بملك القلوب مجدي يعقوب، والدكتور عبد الله النجار رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا في الإمارات، والدكتور فاروق الباز الأمريكي من أصل مصري، مدير مركز الاستشعار من بعد بجامعة بوسطن.

 

ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء العلماء الأكثر نفوذا، وبالذات الذين يعيشون في الدول العربية، يحصلون على دعم حكومي في دول كالسعودية والإمارات لبحوثهم التي تحتاج الى مبالغ طائلة في مجالات خطيرة؛ كـ: علاج أنواع السرطان، والسكري، والأمراض الجينية،

أما العلماء الذين يعيشون في الغرب فتحت أيديهم فرق عمل كاملة مؤهلة، ومختبرات متخصصة، ويعملون لسنوات متواصلة، وأحيانا لا يصلون الى نتيجة حاسمة، ولكن تعتبر الملاحظات الجديدة التي تعلموها بالتجربة والخطأ انجازا علميا بحد ذاتها، وخطوة الى الأمام في استكمال الاكتشاف العلمي.

 

الجدية في البحث في الغرب تجد من يكفلها -سواء أكانت جامعة أم دولة- لغرض النفع العام أولا، وحرصا على السمعة الأكاديمية التي تحتاجها الجامعات والمؤسسات لتحصيل شهادات الجودة والتميز.

 

أما في بلادنا فتعرفون القصة، فليس للعلم قيمة، وأن تكون ممثلاً أو مغنياً معناه أن تحصل الملايين ويتابعك الملايين، أما إن كنت من نجوم العلوم فغني في عبّك إن تابعك غير عائلتك! كما أن البحوث ليس لها دعم، والحكومات العربية حولت الأساتذة من أول المراحل التعليمية الى العليا الى متسولين ينتظرون الإعانات والترقيات والزيادات لتحصيل حفنة ليرات! فعن أي روح وأفق وإبداع نتحدث؟!

 

«سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته؛ لأن العلوم تكبر النفوس وتوسع العقول، وتعرف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ».. هكذا قال الكواكبي في «طبائع الاستبداد»، فعندما كسر فينا الطغاة قيمة العلم، كسروا فينا الإرادة والقدرة، وأصبحنا كالهوام! ولما أفسد الساسة العلماء، أفسدوا الشعوب فسهل استعبادهم، وعندما ينهض الشعب بعلمائه لن يطول مقام الطغاة، هكذا علمنا التاريخ.