الأربعاء 28 يناير 2026 الساعة 10:45 م

مقالات وآراء

فلسطين كلها أرض محتلة

حجم الخط

 

بين الأيديولوجيا والسياسة تتعثر المفاهيم وتختلط الآراء، ويتوه الفكر. قبل أيام صرح نتنياهو أن الضفة الغربية ليست أرضًا محتلة؟! واليوم يصرح نائه (دان مريدور) أن الخليل ورام الله ليستا جزءًا من الدولة العبرية. فأين يلتمس الفلسطينيون حقيقة الموقف الصهيوني؟!

 

الإجابة المباشرة تكون فيهما، أو بينهما، أعني بين الأيديولوجيا والسياسة وهذا يتطلب بعض التفسير. تصريح نتنياهو لا يمثل جديدًا في الفكر الصهيوني الموروث عن (بن غوريون) المؤسس حيث يرى في فلسطين بحدودها تحت الانتداب (إسرائيل). ويرى قادة (إسرائيل) من بعده أن حرب 67م كانت حرب تحرير لأرض (إسرائيل) من الاحتلال العربي. وهذا ما قاله نتنياهو في تصريحه: إن الضفة ليست أرضًا محتلة؟! إنها –في نظره– أرض الشعب الفلسطيني رغم أن جزءًا كبيرًا منها يسكنه فلسطينيون عرب. ومن ثم فإن (إسرائيل) تقيم مستوطناتها على أرض (إسرائيل) حول القدس وفي الأغوار وحول المدن الكبيرة في الضفة.

 

ومن هذه القناعات رفض نتنياهو مطالب الجانب الفلسطيني والعالم بوقف الاستيطان أو تجميده من أجل استئناف المفاوضات، لأن الطلب في نظر نتنياهو باطل وغير شرعي، إذ يمنع الإسرائيلي من حق التصرف في أرضه؟!

 

أما تصريح نائبه عن الخليل ورام الله وأنهما ليستا من الدولة العبرية، فهو لا يعني أنهما قائمتين على أرض فلسطينية محتلة؛ لأن في ذلك تضاداً مع مفهوم رئيسه ومسئوله، وإنما يعني أن المدينتين مقامتين على أرض إسرائيلية، ولكن يسكنهما سكان عرب فلسطين، لذا فهما ليستا من الدولة العبرية، ولكنها من الأرض العبرية. ولأن (إسرائيل) تؤمن بيهودية الدولة فهي ليست بحاجة لضم هذه المدن إليها ولكنها في حاجة إلى ضم المستوطنات اليهودية حول هذه المدن وغيرها.

 

إنه لا فرق كبير بين الموقف الأيديولوجي العام وبين الموقف السياسي التصعيدي الذي قدمه دان مريدور لتصريح نتنياهو. ولا أحسب أن مشكلة الشعب الفلسطيني فيما صرحه أو يصرحه قادة الاحتلال، أو في فهمنا لتصريحاتهم، المشكلة تكمن في القرار الفلسطيني الذي لا يتعامل بجدية مع هذه التصريحات، ومازال يعلن تمسكه بحل الدولتين في ظل هذه المواقف المعلنة.

 

المشكلة أن القيادة الفلسطينية لم تعد تحسن القراءة أو تحسن الاختيار بين البدائل الممكنة في إدارة الصراع، أو في البحث عن الحلول الجذرية لمشكلة الاحتلال. إنه من عادة الدول والقيادات أن تفهم معنى الاحتلال عندما تكون هناك مقاومة له أو للمحتل من أجل التحرير وتقرير المصير، ولكن حينما تكون مفاوضات غير متكافئة لا يدرك العالم معنى الاحتلال، وربما اقتنعوا بكلام نتنياهو: "إن الضفة ليست أرضًا محتلة".

 

المفاوضات البائسة أضرت بحقوق الشعب الفلسطيني ضررًا بالغًا، لا لأنها ليست لها مخرجات إيجابية بل لأنها أعطت فرصة لنتنياهو ليضلل العالم والرأي العام ويقول ما قاله. لقد جاءت المفاوضات بمخرجات سلبية على الحقوق الفلسطينية حتى في تحديد مفهوم الأرض المحتلة. ما قاله نتنياهو مؤخرًا كافٍ لأن نلعن المفاوضات ألف مرة، ولأن نخرج فلسطين منها بطلاق بائن لا رجعة فيه، فلم يعد في القوس منزع، وقد بلغ السيل الزبى كما يقولون.