قف وفكر. اليوم ليس كالأمس. اليوم تقترب القيادات الإسلامية من الواقع اقترابا ذا مغزى. الترابي قائد إسلامي جمع بين الفكر والقرار. اليوم هو خارج القرار، ويقول لو عاد الأمر إلى ما كان بالأمس لنشرت الحريات في السودان على أوسع نطاق. وانتقد سيطرة الحركة الإسلامية على مفاصل السلطة واحتكارها للسلطة حتى على مستوى الأقاليم والحارات. الترابي تحدث عن نجاح جزئي لتجربة الإسلاميين في الحكم، ودعا إلى الشراكة مع الآخرين.
روح الانتقاد للماضي، وروح التواضع الراهنة عند الترابي نجد لها صدىً عن خالد مشعل في ورقته التي قدمها إلى مؤتمر (الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي) الذي انعقد في الدوحة مؤخرًا بتنظيم من المركز العربي للأبحاث. حيث قال: "الإسلاميون مطالبون بالتواضع مع القوى السياسية الأخرى، وبعدم إطلاق الوعود بغير حساب، لأنهم لا يستطيعون أن يؤدوا دورهم دون غيرهم. ولا يستطيعون أن يدعوا لأنفسهم امتلاك الحقيقة".
وينتقل خالد مشعل إلى حماس وغزة في نظرة تقييمية تنطلق من روح جديدة فيقول: "من المبالغة القول بأن ثمة حكمًا إسلاميًا في غزة، ولكن هناك تجربة فرضت على حماس تحمل مسئولية إدارة القطاع في ظروف غير عادية، لأن السلطة في الحالة الفلسطينية ليست الحالة الاعتيادية، وعناصر الدولة غير موجودة".
ما قاله خالد مشعل أكثر مما استشهدت به على الروح الجديدة التي يبدو أنها انفتحت على الممارسة العملية أكثر من ذي قبل من خلال المشاركة السياسية وتحمل المسئولية، بعد أن غادرت النظريات الجميلة ذات الجاذبية الجماهيرية التي تمتلكها الحركات في فترة المعارضة.
ويبدو أن اقتراب القادة أكثر من مفهوم الديمقراطية، وملامسة آلياتها ومؤسساتها في أثناء الحكم والسلطة قد ساعد على الاقتراب من هذه الروح، ومن ثم الإعلان عنها في ورقة بحثية، لم يكن بالإمكان حجبها عن وسائل الإعلام.
لقد فهم الأستاذ فهمي هويدي من ورقة مشعل البحثية أنها تتضمن وسائل هي وليدة تجربة عملية يرسلها خالد مشعل إلى القاهرة، وإلى حركة الإخوان وحزب الحرية والعدالة على وجه التحديد، ولا أحسب أن فهمي هويدي قد جاوز الحقيقة أو حمَّل الورقة البحثية فوق ما تحتمل، فالرجل يحمل ومنذ سنين هموم العمل السياسي الإسلامي، ويقارب تجاربه في كل البيئات بعين الناقد المحب.
يبدو لي مما تقدم أن الحركة التونسية الإسلامية كانت أكثر قربًا وأسبق زمنًا من هذه الروح الجديدة المسكونة بالحاجة إلى الآخرين، والمسكونة بالتواضع، ولجم الوعود الكبيرة، وإدراك المعوقات، ويبدو أنها كانت عملية في ترجمة هذه الروح من خلال الرئاسات الثلاثة التي جمعت أحزابًا وطنية ويسارية في الحكم وتوزيع المسئوليات.
إن تعقيدات العلاقات الدولية وضعف المجتمعات العربية والإسلامية، وبُعد الحركات الإسلامية الطويل عن السلطة، مع استمرار مناكفات الليبراليين واليساريين يستوجب تفهم هذه الروح، ونشر مبادئهابين كوادر الحركة الإسلامية.
