عندما قابلته على المستوى الأكاديمي في مؤتمر «الإسلاميون والحكم» الذي أقامه مركز دراسات الشرق الأوسط لأول مرة العام الماضي، كان رجلا يجمع بين موضوعية الأكاديمي ودبلوماسية السياسي، وفي المؤتمر تنبأ بصعود نجم الإسلاميين في معظم الدول العربية، وكان رأيه أن لا مبرر للخوف والتربص بالاسلاميين؛ لأنهم من أبناء الشعب وهم اليوم قادرون على تقبل الدولة المدنية واحترام الحريات.
كان بودي أن يكون معي مسجل أو كاميرا حتى أُذكر دولته آراءه في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الأردن ومسيرة الإصلاح فيه، ولا أخفي أن اختيار دولته كما كان اختيار غيره ليس له تفسيرات في أذهان الكثيرين، فالحكومات عندنا أصبحت فصلية، ولكل موسم حكومة تأتي وتذهب دون أن يُرى لها أثر إيجابي، بل معظم آثارها سلبية، فهي تأتي لتنفيذ أجندة مرسومة مسبقا، والكل يعرف دوره في المسرحية، وأما المواطن فقد شرب من البحر الميت منذ زمن، وضرب رأسه في كل الحيطان حتى دمي واحترق وتعرى دون أن يهز ذلك شعرة في رأس أصغر مسؤول.
في المجال الأكاديمي علمونا دولتك أن لكل شيء معياراً يقاس به، وأن الاعتباطية وصفة للفشل، وأن البناء يجب أن يكون على أسس صلبة، أما الترقيع فلا يعطي نتيجة، وليس هذا ما يحصل في وطننا دولتك، فأمورنا تسير بالفهلوة والعباطة والتدليس على أقل تقدير، ولولا مساعدات إنعاشية لكنا لفظنا النفس الأخير منذ مدة.
إن القارئ لسيرة دولتك والعارف تاريخك يرى أنك تملك من الخبرات ما يؤهلك لتبوُّؤ أعلى المناصب، ولكن مع احترامي فمثلك كثيرون في الشعب الأردني، فنحن على مستوى الثروة والتأهيل البشري من أغنى الدول العربية في الخبرات؛ مما يجعلني أتساءل دولتك: لماذا حضرتك؟ ولماذا الآن؟ في مرحلة تبدو الحكومة والحركة الإسلامية التي أنتمي إليها، وكل المنادين بالإصلاح على طرفي نقيض، والشواهد تقول إن المستقبل لا يبشر بخير في مجال الاجتماع لخدمة الأردن، والخروج من الأزمات!
لا بد -وأنت الأكاديمي الفذ والسياسي الجهبذ- أنك تعلم عن قصة حياة النسور التي ما أن يتقدم بها العمر تصبح بين خيارين؛ إما أن تستسلم للموت والفناء، وإما أن تجدد حياتها وتعود أقوى من ذي قبل، حيث تطير إلى أعالي الجبال، وتمكث فيها 150 يوماً، ثم تكسر مخالبها ومناقيرها الضعيفة القديمة، لتنبت له مخالب ومناقير قوية، وتنتف ريشها لينبت لها ريش جديد، وتتحمل الآلام والمخاض العسير من أجل الولادة الجديدة، وتعود أقوى من ذي قبل، وتعيش ذات العمر وكأنها لا تموت أبداً!
نرجو أن يكون عبورك في تاريخ الحكم في الأردن عبور النسور بحياة متجددة للأردن والأردنيين؛ فقد عبر الكثيرون قبلك عبور الأموات، وماتوا في الذاكرة وأماتوا الشعب والوطن.
دولتك.. بحساب السنين والانجازات ما ظل من العمر أكثر مما مضى، فليكن الآت في رصيدك ورصيد الأردن ليقال من بعدك: «كان رجلاً مخلصاً للوطن»، وأنعم بها من شهادة.

