1- مدخل
هذه هي الحلقة الثانية من هذا الموضوع، وهو نص المحاضرة التي ألقيت خلاصتها في معرض الكتاب الذي كان مناسبة للحديث عن الكتاب فكانت الكلمة. ونحن أمة حياتها الكتاب، وخبزها الكتاب، وعمادها وعمودها الكتاب، وتراجع الكتاب في حياتنا تراجع في حياتنا.
وليس هذا الحديث هروباً عن الحديث في الشأن الخطير الذي تتعرض له الأمة، أو تهرباً من التَّماس مع الموضوعات الأكثر سخونة وضرورة وأهمية وأسبق في الأولوية. ولئن كان كذلك، فإن للموضوعات التي تبدو أهم عوداً قريباً في مقال تال إن شاء الله. ولقد حارت الأمة كيف تغير من واقعها، وتنهض بهذا الواقع، وكأن داءها أعيا الطبيب المداويا! وليس كذلك بطبيعة الحال.
وفي مطلق الأحوال، فإن الكتاب يظل واحداً من الروافع إن لم يكن أهمها، وقد ختمنا الحلقة الأولى بالآية الكريمة: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلا أولو الألباب)، وأعيدها لأفتتح بها هذه الحلقة ولأصحح خطأ مطبعياً حتى لا يظن القارئ أنّا نخطئ في الآيات! فإلى نص المحاضرة أو ما تبقى منها.
2- كلمة الكتاب.. في «الكتاب»
وردت كلمة الكتاب في «الكتاب» 230 مرة، في البقرة وحدها 27 مرة، وفي آل عمران 32 مرة، وفي النساء 16 مرة، وفي المائدة 15 مرة. وورد اللفظ في 53 سورة؛ أي قرابة نصف سور القرآن. ووردت كلمة «كتاباً» 12 مرة، فأصبح المجموع 242. وعشر صيغ أخرى مجموعها يساوي 21 مرة، فيكون المجموع النهائي 12 صيغة وعدد المرات 263 مرة. وهل أنشأ الناس صيغة للخطاب والنداء قبل القرآن، وهذا الكتاب بصيغة: «يا أهل الكتاب»؟ وأي احتفاء بالكتاب أدل من أن تكون الكلمة الأولى بعد فاتحة الكتاب «ألم ذلك الكتاب»، وأن يكون مجموع مرات ورود الكتاب والقرآن 320 مرة!
3- اقرأ باسم ربك
ليس عندنا حجر ولا حَظْر على ما يُقرأ، لكن لنا منهجيتنا فيما نقرأ، أن نقرأ باسم ربنا، فنحن نقرأ الآداب العالمية والمحلية، ونقرأ الفلسفات كلها والنظم الاقتصادية والاجتماعية والمذاهب السياسية والفكرية والأخلاقية، والنظريات المختلفة، لا نخشى شيئاً والحمد لله، لأنا نقف على أرض صلبة، ولكنا فيما نقرأ نقرأ باسم ربنا.
وإذا كان الإنسان كتلة هلامية يتشكل وفق كل نظرية يقرؤها فهذا ليس إنساناً، وليس له وجه ولا هوية ولا موقف.
ولسنا كائناً حجرياً صلداً جامداً كصفوان عليه تراب، أو ليس عليه تراب لا يتأثر بما يقرأ، فنحن بشر فينا حساسية البشر وأذواقهم ومواجدهم وأشواقهم وتطلعاتهم وأحاسيسهم ودهشتهم. نتذوق الفن ولا نتخلى عن قيمنا، ومن يتصورون الفن اليوم تجديفاً هم الغرباء عن الفن لا نحن!
ونقف عند «اقرأ» وقفات:
1- عظمة الدلالة في أن أول كلمة من الوحي تصافح أذن الدنيا «اقرأ»، وحُق لهذه الأمة أن تعتز بقرآنها الذي يحضها على القراءة والعلم، ومن اقرأ اشتق اسم القرآن الذي هو كتاب العلم والعلماء، والقرآن له أعظم الأسماء.
2- القرآن بهذه الكلمة طرح منهج التغيير، والقرآن رسالة تغيير ومنهج إصلاح وتقويم، فمنذ «اقرأ» اعتمد المنهج في إحداث هذا التغيير، وإنه ليس إلا قوة الفكرة وقوة الحق وقوة الكلمة، لا قوة المادة، وحق القوة هذه جاءت متأخرة وفي الحالات المستعصية وفي حالات الاستعصاء يلجأ إلى الجراحة.
3- الربط المنهجي بين القراءة والخلْق، والتعليم والخلق بشكل مطرد يتجلى في أكثر من موطن: (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان)، (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم..»، وكأن القراءة إيجاد أرقى من مجرد الوجود المادي، ومن هنا قال الله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك..»، وقال: (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان..)، فالكريم خلق والأكرم علّم، فتأمل وتعلّم!
4- ما يزال الإنسان منذ تكوينه من نطفة يزداد كل يوم في خلقه حتى يكتمل ثم تنتهي أيامه، وما يزال الإنسان بالقراءة يتكون فكره ومخزونه ورصيده حتى يكتمل الإنسان نسبياً، وتنتهي أيامه كذلك. ففي الخلق ازدياد: (يزيد في الخلق ما يشاء)، وفي العلم ازدياد: (وقل ربي زدني علماً).
5- قبل الخلق كنت عدماً: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً)، وقبل القراءة والعلم كنت صفحة بيضاء وكنت عدماً علمياً: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً..).
6- إذا تأملت الكلمات الأولى للوحي، وهي 19 كلمة في سورة آياتها 19 آية، تجد «اقرأ» تكررت مرتين، و»علّم» تكررت مرتين، و»الإنسان» تكرر مرتين، وكلمة «ربك» تكررت مرتين، و»خلق» تكررت مرتين، و»الذي» تكررت مرتين. وكأن الإيحاء هو بأن الإنسان خلق ليتعلم. وخلاصته أن محور الآيات: أن الإله العليم يعلّم هذا المخلوق العظيم، ويذكر أداة التعليم وهي القلم، وفي السورة بعد التالية في النزول ذكر القلم كذلك: (ن والقلم..)
7- أن تسبق سورة العلق التي هي أول الوحي سورة القدر التي تشير إلى بدء نزول القرآن في ليلة القدر وبدء الوحي، في هذا لون من ألوان التناسق؛ فالسورتان تتحدثان عن أولية الوحي، وأولية نزول الوحي. أضف إليه أن العلم بهذا الوحي وبهذا التنزيل يكون القدر لأمة الكتاب الذي أنزل في ليلة القدر، ولاحظ أن أول ما نزل من سورة العلق أول الوحي 5 آيات، وأن سورة القدر المشيرة إلى بدء نزول الوحي هي أيضاً 5 آيات، وآيات الصيام التي فيها: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن..) هي 5 آيات، فهل هذه الموافقات مصادفات؟
ثم إن الدين أركانه بعدد تلك الآيات؛ أي 5 أركان، وعدد الصلوات بعدد الأركان أيضاً؛ أي 5 صلوات، فهذه خمس من الخماسيات، فتأمل.
4- (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
هذه الآية تلخص أعظم قوانين التغيير في القرآن، وفي الدنيا بطبيعة الحال، لقد اعتمد هذا الدين منهجاً للتغيير عبر التعليم لا عبر الانقلاب أو غيره من الوسائل والأسباب، فالإنسان أكرم من أن يقاد من خطامه بالقوة كالدواب، لقد جعله الله من أولي الألباب، ولذلك فإن من يحرص على الارتقاء بالإنسان هو الذي يحاول أن يرقي عقله وفكره، والذي يدغدغ غرائزه يريد أن يستمر الإنسان حيواناً؛ لتسهل قيادته والتحكم فيه، فالذين ارتقاء بالإنسان.
ولا تقس الدين على بعض نماذج من المتدينين المنفرين، فهؤلاء -وسامحونا- دسيسة على الدين. التغيير من هنا يبدأ، من العقل، من الفكر ومن الفهم، وما جاء بانقلاب يذهب بانقلاب، ويستمر مسلسل الغِلاب وشريعة الغاب، لكن التغيير في ديننا بالتغيير نحو الإيجاب، بدءاً وانطلاقاً من الألباب.
5- اليونان بالفكر قادت أوروبا والآن تهددها بالتفكك
جاء وقت على اليونان قبل بضعة آلاف من السنين قادت فيه أوروبا، وكانت لها ولكثير من شعوب العالم رأس القاطرة الذي يجر وراءه مئات العربان. وما ذاك إلا لما كان يموج في اليونان من فكر وثقافة وفلسفة وأدب ومسرح وفن، والآن لما أفلست اليونان من كل ذلك، ومن الفلسفة، صارت دولة من أقل دول العالم الثالث!
بل إنها اليوم ربما تكون إسفين تفتيت الوحدة الاقتصادية الأوربية، أو ما يسمى منطقة اليورو، أو السوق الأوربية المشتركة. إن في ذلك لدرساً مهماً؛ أن أعظم رأس مال الأمم إنما هو الإنتاج الفكري والثقافي، لا النفط ولا أكداس المال ولا أكداس الحجارة!
6- العلم والثقافة في شعر أحمد محرم
قال أحمد محرم من قصيدة بعنوان: «الدنيا الجديدة» (سنة 1919):
العلم إن حَمَت الضَّراغمُ مُلكها
مُلك أعزُّ حمىً، وأمنعُ غابا
طف بالمشارق، هل تصادفْ جاحداً
وجُب المغارب، هل ترى مرتابا
أرأيت من أخذ الحياة بحقها
وسعى لها سعي الرجال فخابا؟
جنّد لقومك إن هممت بغارة
جُنْدَ المعارف، واحشِد الآدابا
سنة 1919.
وقال (1908، أي قبل 104 سنوات):
وجدّوا بنا، إن الحياة منازل
وإنا سئمنا منزل المتخلف
ألا ثقفوا الشعب الذي نام جَدُّه
فما ملك الدنيا كشعب مثقف
ألا فانظروا دنيا النسور، وسابقوا
إلى المجد فيها كل نسرٍ مرفرف
أرى كل نهّاض إلى المجد صاعداً
بعزم متى يركب جناحيه يعصفِ
إلى الغاية القصوى فسيروا على هدى
وخلوا سبيل الحائر المتعسف
والسلام عليكم ورحمة الله.
