إسكاكا .. قريةٌ فلسطينية قضاء سلفيت، تعتز بزيتونها وجبالها وروابيها كما تعتز برجالها .. من هذه القرية الوادعة التائهة والمستعليه على كل المستوطنات المحملقة والمتحفزة للإنتشار أكثر فأكثر ورغم الطرق الإلتفافية التي قطعت أوصال أراضيها وشوارعها ورغم السكاكين المشرعة التي تريد أن تقطع المزيد من هذه الأراضي وفي هذه الأجواء المتوترة التي تعيشها _ إسكاكا _ التي تستفز طوال الوقت في الليل والنهار بسبب إجراءات الاحتلال الطامع في أرضها والإنسان فيها تربى وليد خالد وتخرج من بين هذه العقود والتي خط عليها الزمن أيامه ولياليه ليعلن منذ اللحظة الأولى أنه قرر السباحة عكس التيار، وخط لذلك دستوراً وقانوناً في سِفرٍ من الأسفار سماه عكس التيار.
لم يكن وليد خالد يهوى أو يعشق المخالفة لكنها سنة الصادقين التي تأبى إلا أن تكون كذلك، ذلك أن التيار الذي يراد للجمع أن ينساق معه، فيه المهاوي والردى، وعكس ذلك فيه الأصالة والنقاء والتمايز والصلابة ولعمري تلكم هي صفات جيل التغيير.
أبو خالد الذي أهدى هذا السِّفر إلى أبناء الحركة الأسيرة ليوضح معالم الطريق وليضع الجمع في صورة الحقيقة وهي أن السباحة مع التيار تعني ضياع كل شيء ... ولذلك دفع وليد خالد ثمن هذا الفكر وهذه السباحة غالياً ثلاثة عشر عاماً هي زبدة أيام العمر قضاها كما يقولون _ على جنب واحد _ تنقل خلالها بين سجون الاحتلال في محاولة للترويض علَّ أبا خالد يسبح أو يسير مع التيار.
ما نزلتُ سجناً إلا وأبو خالد على رأس المستقبلين بابتسامته المعهودة ونفَسه العالي وهمته العظيمة والتي ما نقصت ولا تراجعت قيد أنمله ولعل أحد العلماء الربانيين والذي وصف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل قائلاً : ما رأيته في يومٍ إلا زاد عما كان عليه بالأمس.
ولعمري أن أبا خالد كان في كل يوم يزيد عما هو عليه علماً وورعاً وهيبةً وثباتاً وإصراراً .. وكم من القصص العجيبة والمواقف العظيمة مع إدارات السجون والتي لا زالت تاريخاً يُدَرَّسُ ويحفظ ويتلى لأبي خالد فكان جزءاً من معادلة الثبات وجزءاً من عملية إدارة الصراع مع التنين، تلكم هي صفات الكرام من الرجال أصحاب الهمة العالية الذين يأبون أن يعيشوا لأنفسهم أو يحيون لذواتهم .. كان بإمكان أبي خالد بما يملكه من حجةٍ وبيان وقلمٍ يأبى أن ينكسر ومدادٍ يستعصي على النضوب وشخصيةٍ اعتباريةٍ أن يصل كما وصل الواصلون وأن ينال الألقاب الفخمة والمراكز العليا بمجرد إشارته أو رغبته ودون واسطة ولكن بشرط أن يسير مع التيار.
وأمام هذا الإصرار والذي صار نهجاً خطّه أبا خالد ومن حوله ومن معه من خيرة أبناء فلسطين داخل قلاع الأسر كان لا بدَّ أن ينحني سجانه ويأمر بإطلاق سراحه.
عزَّ على الطارئين على قضايا الأمة والسابحين مع التيار أن يروا وليد خالد حراً طليقاً دون قيود يفكر كما يريد، ويكتب ويؤلف كما يريد، ويقرأ ما يريد ويتكلم بما يريد .. وهكذا بدون أدنى حياءٍ أو وجل يتم تقييد هذه الأنامل وأنّى لها أن تقبل القيد فأعلن الرفض منذ اللحظات الأولى وأعلن أنه لن يكسر قلمه، رافضاً طعامهم مضرباً عن تناوله وقال إن الكلام لغير أهله لا ينبغي فأعلن الصمت ورفض الكلام ففي الصمت بلاغة وفي الصمت إهانة لمن أراد إهانة الكرام وفي الصمت قوة موقف وتحدي، واستمرار لرسالة السباحة عكس التيار ولعل في كلمات شاعر الأقصى يوسف العظم يوم أن علق الشهيد سيد قطب على أعواد المشانق دون أن يتكلم بكلمة واحدة أبلغ تعبير:
اكتب حياتك بالدم.. ... .. اصمت ولا تتكلم!
فالصمت أبلغ في جراح الحادثات من الدم
والصمت أقوى من رنين القيد حول المعصم
والصمت أكرم عند ربك من سفاهة مجرم
إن تاه بالظلم الغشوم فته بعزة مسلم
ولئن خطوت إلى العلى فعلى جباه الأنجم
فصمتك تعبير وصمتك مدرسة وصمتك إصرار وصمتك رغم الصمت، أصَمَّ آذان الكثيرين، ولعل أشد ساعات الليل حلكة كما يقولون الهزيع الأخير من الليل ولعلك يا أبا خالد تعيش بقلبك ووجدانك الحي، هذه الدقائق واللحظات، لحظات بزوغ فجرك وفجر كل من معك ومن حولك ومن ورائك من رجال المرحلة وليبقى غيرهم يتخبط في ظلمة الليل.

