لقد كان للإعلام دور سيء في قبول شخصية "الأبضاي" الذي يعيش و يتكسب بعضلاته بالمراوحة في تقديمه بصورة القوي الشرير أو القوي الطيب الذي يدافع عن الحق، و انتقلت الصورة و الممارسة من الشاشة الصغيرة الى عقول الشباب فصار مفتول العضلات، موشوم الأيدي، "سحيب الأمواس" سليط اللسان، مفتعل المشاكل، قدوة لبعض الشباب ممن أغوتهم الشوارع بدل المدارس، و رأوا في أصدقاء السوء معلمين أفضل من الأساتذة، و في قارعة الطريق صفا أفضل من المدرسة، و في شريعة الغاب منهجا أكثر واقعية من الكتب!!
و مع التزايد الكمي للمدارس في بلدنا الا أننا لا نشهد تزايدا نوعيا في مستوى الطلاب بذات القدر، و تمايز المدارس بين الطبقات يجعلها أيضا تتمايز في مستوى التعليم، فمعلم لا يجد ما يسد حاجة أولاده لن يبالي بأولاد الناس سواء تخرجوا مجرمين أو مصلحين!
و حتى عندما يرتكب الشاب جريمة و يقع الفأس في الرأس فإن إيداعه في ما يسمى بمراكز الإصلاح و التأهيل، و هي على الأغلب اسم على غير مسمى، يساهم في تعليمه و تخريجه من درجة مجرم حدث الى درجة مجرم محترف أو عضو عصابة منظمة، بل إن فشل السياسات الحكومية في ضبط الأمن و الاستثناءات و الإعفاءات غير المستحقة في المناسبات و الأعياد جعلت بعض المجرمين لا يفكرون في التوبة، فالسجن فترة نقاهة و راحة تنقضي سريعا لاستئناف الأعمال بعدها مع شبكة علاقات أكثر إتساعا و قوة
بينما في أوروبا يتوب البعض في السجن بل و يعتنق بعضهم الإسلام، فكيف يكون الإصلاح إذن؟! و هل هناك برنامج وعظي إرشادي مهاراتي يقوم عليه مختصون يسعى الى تأهيل السجناء و تدريبهم و تشغيلهم حتى تقل الجريمة في المجتمع؟!
و هل يُعامل السجناء و المجرمون بطريقة تكفل إزالة الحقد و الشر من نفوسهم أم أن طريقة معاملتهم في السجون تفاقم من كراهيتهم للمجتمع؟! و هل هناك متابعة للسجناء بعد الخروج من السجن لضمان استقامتهم بلقاء أسبوعي أو شهري مع ضابط الإفراج parole officer كما في الغرب؟
و ماذا عن المجتمع الأ يساهم أيضا في التشجيع على الجريمة بالتمايز الطبقي و طغيان الحياة المادية و غياب الرقابة و المتابعة بل و السكوت على الإجرام و مجاراته خوفا من بطشه و مثال ذلك ما قامت به أحد المؤسسات الاقتصادية من تعيين بلطجي براتب 5000الاف دينار للدفاع عنها ضد البلطجيين الآخرين، و عندما عُتبوا بالرضوخ لهذه الممارسات الهمجية و الخاوة كان جوابهم أن الشرطة لم تفعل شيئا للدفاع عنهم عندما اشتكوا و أن المقامرة بالمال مقابل الحفاظ على حياة موظفيهم و أعمالهم أفضل من المغامرة مع شرطة لا تستطيع حمايتهم!!!
إن الشباب يرون هذه النماذج و هي تجتذبهم ضعفا أو خوفا أو ركضا وراء الملذات فبعض المجرمين المحدثين أولاد عائلات طيبة ينخرطون في سلك الإجرام مقابل الحصول على الحشيش و المخدرات!!
كنا نقول ان الحياة خير مدرسة لتعليم أولادنا ما لم يتعلموه في المدارس فأصبحت تعلمهم الشر و الجهالة و نحن في غفلة من أمرنا لا نقوم بمسؤوليتنا في التربية الأسرية أو المجتمعية في الوقت الذي تقصر فيه أيضا الجهات الأمنية بواجبها فالإمساك بمجرم هنا و هناك لذر الرماد في العيون كحالنا مع قضايا الفساد لا يكفي لتنظيف المجتمع و لفرض سيادة القانون
إن العيش في مجتمع هو ككتابة عقد اجتماعي كما قال روسو فيلسوف الثورة الفرنسية يلتزم فيه المواطن بالقوانين و يستمتع بالحرية و مميزات العيش في المجتمع المدني إما إذا خرق القوانين فعلى المجتمع أن يجبره على أن يكون حرا forced to be free بتعليمه معنى الحرية و ضريبة فقدانها و محدداتها و كيفية الحفاظ عليها و ما لم نمارس التربية الوقائية الاستباقية التي تحصن شبابنا ضد الخطأ فإن السجون لن تكون سوى أكاديميات لانتاج مزيد من العنتريات و الزعرنة فسجوننا على حالها الآن ليست الا حالة أخرى من فشل الإصلاح الاجتماعي!


