الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 الساعة 01:47 م

مقالات وآراء

خالد صافي

مدون وناشط إعلامي
عدد مقالات الكاتب [64 ]

الوزير «والأربعين حرامي» ما بين غزة وتركيا

حجم الخط

 

تركيا بلد فتيّ، هادئة وجميلة، ومساحات الحياة فيها واسعة، مناخها العام معتدل – على الأقل في الفترة التي زرتها فيها – وأهم ما جعلها ترتقي حضاريًا وتتقدم اقتصاديًا وتؤثر في كل حضارات العالم ثقافيًا هو..

 

لحظة، أراهن أن المقدمة السابقة لم تكن اهتمامك حين قرأت العنوان، فالذي جاء بأناملك لقراءة الصفحة بالدرجة الأولى مشاكسة الوزير والتقليل من شأن المشاركين ومعرفة المزيد من فضائح إدارة وفد الشباب الفلسطيني مع كثير من الجدل والنقاش بعيداً عن نطاق الفائدة، جعجعة بلا طحن وقدح وتجريح بلا أدلة ولا قرائن هو ديدن دأب عليه كثير من شبابنا في غزة.

 

ما هي معايير اختيار الشباب المشارك في الوفد وما هي قدراتهم وطاقاتهم؟ ولماذا هؤلاء دون غيرهم؟ وكيف أطلقتم عليهم لقب سفراء الشباب ونحن لم نفوّض أياً منهم؟ لماذا جلهم من لونكم وطيفكم بعيداً عن الفصائل الأخرى؟

لا تتوقع أن أجيب على أي منها وإلا لاستوينا في الجدل ونسينا الغاية الأسمى.

 

وفد الشباب الفلسطيني الذي سافر إلى تركيا تعرض لصدمة ثقافية حضارية عالية التأثير، هزت كيانه فكريًا وغرست في أعضائه -بدرجات متفاوتة- بذرة التغيير، بعدما أصيب بعدوى التفكير بحكمة والنظر للأمور من زاوية أخرى ما كان يدري بوجودها.

 

شحنة الحكمة أرست قواعدها جولة سياحية لأعظم المعالم الإسلامية بأصالتها وعبقها.

 

أما ارتقاء معدلات التسامح في المشاركين لأعلى درجاته فكان بعد نظرة أولى لأجناس مختلفة ثقافياً وفكرياً وعقائدياً تمشي جنباً إلى جنب وتبني سوياً في بلاد تتسع للجميع، مقياس التفاوت هو مقدار العطاء لا الشكل ولا اللبس ولا العرق ولا الدين.

 

جاءت بعدها مجموعة من اللقاءات على مستوى عالي مع مسئولين وأصحاب قرار، وشباب وأطياف أخرى من المجتمع لتصقل التجربة وتعطي الشباب جرعة جديدة من أساليب الفهم، فالإنسان يحظى بشطر كبير من العلم بالتلقي..

فهل ترون أنه من الحكمة أن نبدد الطاقات في جدل عقيم حول لماذا هؤلاء وكيف خرجوا؟

 

لم يكن أحد في وداع الوفد من غزة لأنهم لم يعرفوا، وكذلك لم يكن أحد في استقبال الأربعين لأنهم لم يهتموا.. تكبد الوفد في رحلتي الذهاب والإياب أشد أنواع الإذلال على معبر رفح وفي مطار القاهرة ولم تصله رسالة مواساة تخفف من مصابه وتهون عليه وعثاء السفر.

 

حاول المغرضون التقليل من شأن الوفد بدعوى أنه لم يتحدث عن فلسطين ولا معاناتها، وفي حقيقة الأمر لم يكن همّ هؤلاء فلسطين ولا القضية بقدر شهوة معظمهم للسفر للخارج، والشعور بالنشوة بالاختيار والاحتفاء والتكريم..

 

نسي معظمهم أن معبر رفح البري كان مغلقاً عند وصول الوفد إليه ولا يسمح إلا للحالات الإنسانية ولثلاثة أيام فقط في الأسبوع، وبعد زوبعة أثارها الوفد على بوابة المعبر صدر قرار من الجانب المصري بفتحه طيلة أيام الأسبوع ولكل الفئات؛ ليثبت أن من بين هؤلاء الشباب نشطاء فاعلون ومؤثرون على صناعة القرار.

 

رغم ذلك تبقى نظرتنا للأمور لا تراوح مربع “الأنا” : لماذا فلان وليس أنا؟ وفي يمينه قائمة بمثلبة واحدة على الأقل لكل مشارك تمنع من انضمامه للوفد: هذا كبير، وهذا صغير هذا منظم وهذا غير منتمي، هذا مدخن وهذا ملتحي، هذا مجهول وهذا غير مبدع، هذا ناشط جداً، وهذا غير كفؤ، وهكذا كل صفة وضدها هي خطأ في حق المشاركين وصواب في حقه وسبيل له بالمشاركة دون غيره.

 

نحمد الله أن التركية هي اللغة الرسمية في تركيا، وقلة منهم يعرفون العربية وأقل منهم يعرفون الإنجليزية، وإلا لأصابهم الإحباط بعد قراءة ما تداولته صفحات فيس بوك الأصدقاء في غزة والإعلام في فلسطين إبان زيارة الوفد لتركيا..

 

تركز السؤال منذ خروج الوفد حتى عودته حول معايير الاختيار وكيفية التنظيم..

 

ولم يكلف أحد خاطره في السؤال عن كيفية الاستفادة من تجربة الشباب العائدين

 

وهل سيقدر معه على اكتشاف السر الذي قاد تركيا تحو حضارتها كيما يقبس منه نورًا لفلسطيننا؟

 

لم يتلق أحد من الوفد اتصالاً بغرض التشبيك لنقل الخبرة في لقاء أو ورشة عمل أو ندوة..

 

لم تصل الوفد رسالة تهنئة رسمية ولا شخصية بسلامة العودة بلا لمز ولا شبهة غيرة..

 

لم يتوجه أحد لوزارة الشباب والرياضة لتسجيل ملاحظاته واقتراحاته على الوفد بهدف النقد البناء..

 

لم يفكر أحد في تسيير وفود جديدة لبلاد تفتح صدرها لأهل فلسطين..

 

أحبابنا الكرماء:

الأربعون حرامي الذين سرقوا الفرصة منكم على استعداد لوضع نتائجها وخبراتها بين أيديكم، لأن من ضمن ما تعلموه في رحلتهم أن المعارضة شكل آخر للاشتراك في صناعة أي قرار طالما يعود بالنفع على الجميع، وكلما كانت المعارضة قوية سعى الطرفان للعطاء بقوة.