تروي جدتي أن والدها رحمه الله كان يبيع أراضيه لتعليم أولاده، بينما لم يكن يسمح لبناته أن يذهبن حتى الى الكتاب ليتعلمن القرآن، فقد كان محظورا على البنات عموما أن يتعلمن القراءة والكتابة؛ مخافة أن يرسلن رسائل للشباب وكأن نساء القرى قبل نكبة فلسطين لم يكن يشغلهن سوى الحب، ولا شغل بيت ولا أرض ولا عائلة ممتدة يخدمن صغيرها قبل كبيرها من الفجر الى العشاء حتى يقعن على الفراش مهدودات من التعب، وكأن المجتمع أمامهن كان مفتوحا للاختلاط والمراسلة، وليس أقصى حدود المعارف هم أولاد عمومتهم الذين كتبوا على أسمائهم كزوجات منذ الولادة!
تعلم الرجال يومها وبقيت النساء أميات أو شبه أميات وعاد الرجال المتعلمون ليتزوجوا «بنقاوة» الوالدة او بابنة العم أو من العائلة، وما بين الزوج المتعلم والزوجة غير المتعلمة لا قواسم مشتركة سوى الأولاد والبيت والعائلة وما طبخنا وما اشترينا ومن زوجنا!
وهذه الحال كانت أشد قتامة سابقا لظلم المجتمع بعدم تعليم المرأة، الا أننا ما زلنا نعاين شيئا من هذه الجهالة في بعض الحالات التي لا يكون فيها توافق فكري أو علمي أو اجتماعي بين الزوج والزوجة، فكثير من الرجال يبحثون عمن تقل عنهم إلا في الجمال، وإذا حصل وتزوج الرجل امرأة تتفوق عليه فإنه يقلب حياتها الى حجيم بعقدة النقص التي تسيطر عليه!
غير أن الأمرَّ أن يتزوج الرجل المتعلم بخياره وقبوله امرأة غير متعلمة ويقبل بها فتحسن إليه والى أولاده وعائلته فيمر الزمن فتصبح أم العيال غير ملائمة «لبرستيجه» العلمي والعملي وهو في هذه المرحلة من حياته يحتاج الى زوجة متعلمة تصلح للتقديم الاجتماعي وتحسن إدارة العلاقات الاجتماعية، و»تطول» رقبته أمام الناس! وماذا عن أم العيال التي رضي بها في مرحلة ما قبل التطور والانجاز؟! هذه تتراجع الى الصفوف الخلفية كلاعب الاحتياط للمناسبات العائلية فقط!
ألا ما أقبح الرجال حين ينسون الوفاء ويفكرون فقط بذواتهم المتضخمة! ألم يكن هذا الرجل صاحب طموح ومشروع عندما تزوج المرة الأولى؟! لماذا لم يحسن الاختيار عندها؟ ولماذا يعرض امرأة أشعلت أصابعها العشرة شموعا له ولأولاده لهذا الامتهان؟! وكأن لكل مرحلة زواج ونساء كما لكل زمان دولة ورجال! فهل يُستبدل الرجال كما تُستبدل النساء حسب المزاج ومتطلبات المرحلة؟! وهل يجوز التجريب والعبث بخيارات الزواج في مرحلة الشباب، أما مراحل النضوج فتحتاج الى التدقيق والانتقاء؟!
لماذ لم ينهض المتعلم بزوجته ولم يشركها في علمه وعمله؟ وما معنى الرعاية التي شدد عليها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»؟! هل الرعاية إطعام وتشريب وكساء وإيواء وقضاء حاجة؟! هل من الممكن أن يكون قصد رسول البشرية الذي بعث لعمارة الأرض على منهج الله أن يقصر واجب الرجال أصحاب القوامة على التمويل والإنجاب تجاه نصف المجتمع الذي ينجب ويربي الذكور والإناث؟!
لقد نبه الرسول على العلاقة التشاركية بين الزوج والزوجة فقال: «أطعم إذا طعمت، واكس إذا اكتسيت»، ويقاس على ذلك: وعلِّمها إذا تعلمت، وانهض بها إذا نهضت، وشاركها في الأجر إذا أحسنت.
لقد تزوج الرسول عائشة الشابة، ولكنه لم يتزوجها كما يتزوج رجال اليوم وقد جاوزوا أشدهم الأربعيني بكثير لتجديد الشباب والحياة وكسر الروتين، ولكنه تزوج عائشة مع حبها لتكون مشروعا للأمة، وجعل لها مشروعها الخاص لدخول الجنة فعلمها، وروت عنه نصف علم الأمة، وبقيت تعلم الصحابة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.
لقد أوصانا الرسول فقال «تخيروا» كمرحلة أساسية ما قبل الزواج لانتقاء الأصلح والأفضل، ليس فقط على مستوى الصفات الجسدية كما يعتقد البعض لمنع الأمراض الوراثية، ولكنها الكفاءة العامة في جميع الصفات لتكون النتيجة أن خديجة أم العيال هي صاحبة الشهرة والسمعة الطيبة في قومها، وسيدة الأعمال والمجاهدة وصاحبة العلم والحبيبة، فحسن الاختيار مع هذه جعل السنين تمر والعلاقة تزداد ألقا وخلودا، وبقيت الشهادة من الزوج الذي أحسن الاختيار بداية: «والله ما أبدلني الله خيرا منها».
أم العيال قد تكون أستاذة وطبيبة وعالمة ذرة، وتبقى مع ذلك ودودة ولودا حنونة وسيدة بيت من الدرجة الأولى.
النساء حمّلات خير، ومتعددات المواهب والقدرات، بهن حنان خديجة، وهمة عائشة، وكرم زينب، وصلابة أم عمارة، وشجاعة أسماء، وفروسية خولة، وعدل الشفاء القرشية، وبلاغة الخنساء.
