*وجدت الله في مكة
لقد أحدثت تغريدات ميسون سويدان؛ كونها ابنة الدكتور طارق سويدان حول زيارتها الى مكة ضجة فوق الحد! وهي برغم أنها شاعرة الا أنها أساءت التعبير في تغريداتها على «توتير» بعنوان: «بحثت عن الله في مكة فلم أجده»! وهي وان أصابت في بعض أفكارها بذم ممارسات التخلف والتعصب الذي يظهر في سلوكات بعض من يقومون على أمور الحرم، إلا أنها اشتطت في الوصف بعين السخط التي لا تبدي الا المساويا، فالبلاغة ليست بلاغة ألفاظ فحسب، ليست البلاغة إلا ما بلغك الجنة وعدل بك عن النار، وما دون ذلك حشو بلا أدب، وتجاوز بلا سبب، والكاتبة إن أحسنت فلنفسها، وان أساءت فعليها، لا تنفعها قربى، ولا صلة الى أي كان، كما لا تضرهم.
نعم تغير الحرم وتغيرت مكة وفقدت بعضا من روحانيتها بتغول البناء، ولكنها تظل مهوى أفئدتنا، نحبها بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «والله إنها لأحب بلاد الله إلي»، أحببناها بحبه لها حتى في جاهليتها وأهلها مشركون يأكلون الميتة ويسيئون الجوار ويقطعون الرحم، أفلا نحبها وهي مسلمة تشهد أن لا إله الا الله منذ يوم فتحها؟!
والله لا يحده شيء، ولكنه سبحانه جعل لهذه الأرض بركتها واختارها واختصها، وعطية الله نافذة لا تُنتقص ولا تتغير (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) (عطاء غير مجذوذ) فلمكة فضلها الذي لا ينكره الا جاحد جاهل، والله في قلوب عباده في مكة وخارجها يؤكد ذلك ما ذكره الغزالي في الإحياء: «ما وسعتني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن».
بالطبع لن نجد الله في شيء فج، لن نجده في معاملة المرأة ككائن غير معتبر، ولكننا سنجده في تشريع رب البيت الذي يُتلى في مكة آناء الليل وأطراف النهار، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والحق في مكة ينسب لربها لا الى تصرفات رجالها، سنجده في قلوب وتصرفات كثير من المعتمرين، وهم يفسحون لبعضهم ضيق الأماكن ويقتسمون طعامهم وشرابهم.
سنجده في شباب نضري الوجوه، يقفون بين صفوف الطواف والسعي لينثروا قطرات ماء بارد على وجوه الطائفين والساعين، وهم بذلك يتاجرون بوقفة يوم حر وصوم ليربحوا ظل الرحمن يوم لا ظل الا ظله، كشباب نشأووا في طاعة الله قلوبهم معلقة بالمساجد.
سنجده برغم الغلظة الأكثر انتشارا في معاملة بعض الشرطة والمطوعين الذين عرفوا حرمة المكان وتخلقوا بأخلاقه، فتركوا أثرا طيبا في نفوس الزوار يستحق أن يمحو سوء غيرهم.
نحن لا نحكم على مكة، ولا على أي أرض إسلامية بولاتها وساستها، وإنما نحكم عليها بحكم الله (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله) هؤلاء هم أهل مكة وعُمّارها وحكامها الحقيقيون، ولهم ستكون الغلبة والمكث ولو بعد حين، فالزبد دائما يذهب جفاء.
لمكة وكعبتها قدسيتها وحرمتها، وقد جاء في الحديث: «لا يزال الناس بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها، فإذا ضيعوها هلكوا». وبها أخطاء بما كسبت أيدي البشر لا تنسحب عليها، مفجع أن يغترب أبناء العرب والمسلمين فلا يحسوا بالروحانية في أقدس بقاعهم، ويأتي ابن أمريكا الذي عايش كل الطيلسان والحضارة المزعومة ليجد ضالة روحه في مكة، ومكة فقط، فيكتب مالكوم إكس أو الحاج مالك شهباز الى أهله من مكة: «لم أشهد في حياتي مثل هذه الروحانية المتألقة، والأخوة و الضيافة كما شهدتها في هذه المدينة المقدسة، لا أستطيع التعبير عن الأسبوع الماضي الذي قضيته في مكة، والكرم الذي شهدته من الناس من مختلف الأعراق».
الله في قلوبنا دائما، ونتقرب اليه بحب مكة وزيارة بيته، ونجد آياته ورحمته في مكة كما في غيرها، ولكن نفوسنا تزداد صفاء فيها، فمن وجد ذلك فليحمد الله، ومن لم يجده فلا يلومن الا نفسه وقساوة قلبه، وليدع الله أن يمن عليه بقلب فإنه لا قلب له.
* لم أدع لهم
لا أقتنع بسياسة الأئمة في الدعوة لولاة الأمر ما لم يظهروا كفرا بواحاً! فأي كفر أكثر من الذي نعايشه في بلادنا العربية المسلمة بتعطيل الشريعة واستباحة أعراض وأموال المسلمين؟! هل هي كلمة الكفر التي ننتظرها من الحكام لنحكم بفسادهم؟ وماذا عن سيرتهم وسياساتهم فيما مضى وما هو آت مما لا تظهر عليه سمات الصلاح أو الإصلاح أو التوبة؟ ألم يكتفوا من التظاهر؟ ألا يعلمون أن شعوبهم تقرأ وتعرف كيف يعيشون حياتهم وينفقون أموالهم؟ هل ستؤثر فيهم بعض سويعات يقضونها في مكة وحياتهم بعيدة كل البعد عن نهج مكة ورب مكة؟! أليس بعضهم من نفس فريق المؤتمرات السابق الذي كان يضم زين العابدين ومبارك ومعمر، وكلهم أثبتت أعمالهم أن لا نصيب لهم من أسمائهم؟! الفريق كله يحتاج -على رأي الفرنجة- الى اكستريم مايك اوفرextreme makeover، فكما الماشطة لا تفعل شيئا في الوجه العكر، كذلك مكة لا تلهم بركاتها لمن تنكر لربها.
في مكة في العشر الأواخر، ضيق الحكام على الناس دينهم، وأغلقوا عليهم الطرق الى مواقع عبادتهم، كما يضيقون عليهم دنياهم وحياتهم ورزقهم، وإن كان العامة خرجوا برحمة الله، فلقد عاد اولئك كما قدموا بخفي حنين، واستمر الدم المسلم في سوريا، وهو الأعظم من حرمة الكعبة، بالتفقد أنهار شهادة رخيصة على أصحاب المؤتمرات عزيزة عند ربها الجبار، وفي ذلك رسالة الى الناس أيضا أن الدين لن يصلح ويُحفظ ما لم تصلح الدنيا وتُعمر بأمر الله، والذي يعكر عليك دنياك سيعكر عليك دينك، ويجعل من نفسه ظل الله في الأرض.
دعا الإمام للرؤساء بحرارة من طيب قلبه وأمله، وتوقفت عن التأمين على دعائه؛ لما أراه من صنع أيديهم، ولولا أن المقام مقام صلاة ودعاء لرددت ما قاله هشام الجخ:
أسبِّحُ باسمك اللهُ
وليس سواكَ أخشاهُ
وأعلَمُ أن لي قدراً سألقاهُ …. سألقاه
تقاتِلُنا طفولتُنا
وأفكارٌ تعلَّمنا مبادءَها على يدِكم أيا حكامَ أمتِنا
ألستم من نشأنا في مدارسكم ؟
تعلَّمنا مناهجَكم
بأن العودَ محميٌّ … بحزمته ضعيفٌ حين ينفرد ؟
لماذا الفُرقةُ الحمقاءُ تحكمُنا ؟
تقاسمتم عروبتَنا ودَخَلاً بينكم صِرنا … كما الأنعام
سيبقى الطفل في صدري يعاديكم
تقسّمنا على يدكم فتبت كل أيديكم
دعا الإمام بحرقة، وفي قلبي جواب الإمام أحمد لسجانه عندما سأله: «هل أنا من أعوان الظلمة، فقال له: لا لست من أعوان الظلمة، إنما أعوان الظلمة من يخيطوا لك ثوبك، من يطهو لك طعامك، من يساعدك في كذا، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم». وروي أيضا انه جاء خياط إلى سفيان الثوري فقال إني رجل أخيط ثياب السلطان، هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال سفيان: بل أنت من الظلمة أنفسهم».
فكيف بمن يدعو لظالم ظهر ظلمه وتفريطه؟!
