لقد تعاملت الحكومات المتعاقبة مع حركة الإصلاح في الأردن وكأنها انفلونزا أو حساسية موسمية لا بد أن تزول أعراضها بشيء من المهدئات المضادات!! أو كأنها هزات ارتدادية مركزها في دول أخرى والأردن لن يحس أو يتأثر الا لمما! أو كأن الإصلاح موضة مستوردة مستهجنة والأردن مكتف ذاتيا من الحرية والازدهار وليست في حاجة الى المزيد!! بل تم تصوير الإصلاحيين إعلاميا وكأنهم خارجون عن القانون، تحركهم أجندات دخيلة لا تريد بالأردن وأهله خيرا!!
وربما ظن المعظم أن الإصلاح في الأردن حالة جديدة، ومرحلة حديثة، وطفرة مستحدثة جاءت من «الربيع العربي»، وهذا للأسف لجهلنا بتاريخنا الأردني الذي تم التعتيم على صفحاته المشرقة وقياداته التي رفضت الظلم والاستبداد منذ نشأة الإمارة، هذا التاريخ الذي لو قرأناه لعرفنا أن حالة الخنوع والموات التي نعيشها الآن، واختزال الوطن في الشخوص هي الحالة الهجينة الغريبة التي أنتجناها نحن وما ورثناها عن آبائنا!
ففي احدى الصفحات المشرفة يروي تاريخنا الأردني عن مجموعة من الوجهاء الذين عقدوا مؤتمرا وطنيا عام 1928 في ظروف غاية في الصعوبة، كالتي نعيشها اليوم، وذلك عشية انهيار الخلافة العثمانية، ووثائق المؤتمر تصف حالا كالذي نعيشه اليوم مع الفارق أن الأردن كان تحت الانتداب البريطاني وكان العدو في عقر دارنا.
وجاء في الوثائق: «وعادت رئاسة الحكومة اسماً لغير مسمّى، حتى عمّت من جراء ذلك الفوضى الادارية، وقد اصبح المجلس التنفيذي الحاضر اشبه بماكنة للقوانين، تديرها يد المعتمد البريطاني؛ لإخراج كل فكرة شخصية او استعمارية لسعادته قانونا عجيباً، بعيداً كل البعد عن اصول التشريع وقواعد العدل وحاجات البلاد، كلّ ذلك باسم جمعية الامم وتحت ستار عهود دولية».
كان هذا الوضع في ظل الانتداب البريطاني، ولكن المقيم لأداء حكوماتنا ونوابنا لا يرى أن الوضع اختلف كثيرا بعد سنوات من الاستقلال، سوى أن عدونا الظاهر تركنا ليصبح عدونا الباطن «منا وفينا».
وفي ظل هذا الوضع المتأزم كان من بعض مطالبات المؤتمر التي تظهر وعيا كبيرا بالمخاطر الداخلية والخارجية ما يلي:
- يعتبر شرقي الاردن وعد بلفور القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين مخالفا لعهود بريطانيا، ووعودها الرسمية للعرب، وتصرفا مضادا للشرائع الدينية والمدنية والعالم.
- كل انتخاب للنيابة العامة يقع في شرقي الاردن على غير قواعد التمثيل الصحيح، وعلى اساس عدم مسؤولية الحكومة امام المجلس النيابي، لا يعتبر انتخابا ممثلا لادارة الامة وسيادتها القومية ضمن القواعد الدستورية، بل يعتبر انتخابا مصنعا لا قيمة تمثيلية صحيحة له.
- تعتبر بلاد شرقي الاردن كل تشريع استثنائي لا يقوم على اساس العدل والمنفعة العامة، وحاجات الشعب الصحيحة تشريعا باطلا.
- لا يجوز التصرف بالاراضي الأميرية قبل عرضها على المجلس النيابي وتصديقه عليها، وكل بيع وقع قبل انعقاد المجلس يعتبر باطلا.
ونكاد لا نرى اختلافا كبيرا بين مطالب الإصلاحيين عام 1928 ومطالبهم عام 2011 -2012، وهذا إن دل فإنما يدل على أصالة المطالب والقضايا الإصلاحية وتجذرها في تاريخ وحاضر ومستقبل الأردن وشعبه.
الدور الباقي على من فرط بتاريخ أجداده، فالمفارقة أن رئيس المؤتمر ورئيس لجنته التنفيذية هو الشيخ حسين الطراونة!!
الإصلاح في الأردن أصيل وأديب وأريب، وهو حالة سابقة وحالية ولاحقة بإذن الله، فالتاريخ يعيد نفسه، وهو في دورته ينخل صفحاته، فلا يبقي في الذاكرة الا الخير ويذهب الزبد جفاء.
