د. حسن أبو حشيش
ثلاث سنوات مرت على اغتيال وتصفية الرئيس ياسر عرفات, في جريمة سياسية وأمنية غامضة التفاصيل, واضحة الملامح العامة, تحت بصر ونظر بطانته وحاشيته. ومن وقتها لم تتحرك السلطة الوطنية ولم تتحرك حركة فتح لفتح هذا الملف, بل غاب الملف عن الإعلام والصالونات السياسية واللقاءات الرسمية, الأمر الذي اعتبره المراقبون عملية اغتيال جديدة بعد الموت. وتحول الرئيس أبو عمار إلى ذكرى سنوية تقوم به السلطة وحركة فتح. ولكن خلال العامين الماضيين كان مظهر إحياء الذكرى فاترا, وعاديا, وعلى خجل, ولذر الرماد في العيون, عكس هذا العام, حيث حولت فتح والرئاسة المناسبة ورقة مناكفة سياسية, وأداة لمواجهة حركة حماس, ومدخلا لعودة الفلتان والفوضى والعربدة, ومجال للتنظير للقضايا التي من الممكن أن يتم طرحها في لقاء الخريف المجهول في الموعد وفي النتائج و في الترتيبات والطبخات المُسبقة, واتخذت حركة فتح هذه المناسبة للملمة أحواسها وأوراقها بشكل سطحي تافه, لا بشكل جوهري يشتمل على مراجعات شاملة للخلل الغارقة فيه الحركة.
شيء غريب وعجيب, أيُعقل أن يتم تصفية رئيس وزعيم أمام شعبه, ويبقى سر اغتياله لثلاث سنوات دون أن يتحرك أحد لكشف هذا السر ؟!.
أمس الاثنين دعت فتح لمهرجان مركزي لأنصارها في قطاع غزة تكريما للذكرى الثالثة لاغتيال عرفات, وكنا نتوقع أن تكون فتح وفيا لقائدها وقائد الشعب الفلسطيني, وتحترم الذكرى, وتنأى بها عن السفاسف والتوظيف السيئ واللاأخلاقي لروح أبي عمار, ولكن أبى المتنفذون والقائمون على هذه الحركة الجريحة والمسلوبة, إلا أن يُوجهوا إهانة كبيرة ومن العيار الثقيل للذكرى, ويعمقوا جرح حركتهم, ويخذلوا الرئيس عرفات ميتا كما خذلوه حيا.
إن الأحداث التي فجرتها مجموعات من فلول التخريب والزعرنة في غزة سُجلت في صحائف فتح السوداء, وتُدلل على مدى حرية الرأي والتعبير والتجمع الممنوحة لها في قطاع غزة, لا كما يكذب ويولول قادتها عبر الإعلام بهتانا وزورا, ولولا هذه الحرية, وهذا الهامش الواسع, لما تمكنت فتح بكل ما تملك, من تنظيم فعالية واحدة لها في قطاع غزة ... وهذا كله عكس ما تمارسه فتح في الضفة الغربية من حالة استئصال ضد الإنسانية وضد المقاومة وضد كل ما من شأنه أن يغضب العدو والإدارة الأمريكية.
ونتساءل أين هذه الجهد الكبير لفتح في مجابهة الاحتلال قاتل أبو عمار, ولمصلحة من توظيف الأموال, والطاقات, ودماء الناس, ومصالح الشعب في استغلال ذكرى وطنية لارتكاب حماقات, وسلوكيات, همجية, وفي التنافس المحموم لإعادة مظاهر الفلتان والعربدة التي طلقاها قطاع غزة دون رجعة .
كان أولى بحركة فتح ورئاسة السلطة أن تساهم في تخفيف الحصار المضروب على قطاع غزة, بدلا من التنسيق لإدخال عشرات الآلاف من مظاهر الدعاية عبر المعابر المُغلقة في وجهة الدواء والغذاء والوقود والمواد الخام . قيادة حركة فتح والمُتشدقون الذين حرضوا الجماهير والسفهاء والمارقين بنشر الفوضى, ووفروا لهم الغطاء والمال والسلطان لنشر العرب في صفوف المواطنين, ودفعوهم في مواجهة القانون والشرطة من أجل المتاجرة بدمائهم, ومعاناتهم, وكي يصنعوا خبرا لآلة الدعاية السوداء النكراء التي لا تعرف أخلاقا ولا قيما ولا وطنية ولا إنسانية ولا حرمة لدماء ياسر عرفات ... هؤلاء القادة والمتحدثون يتحملون المسئولية الكاملة عن هذه الفوضى المُبرمجة والمُخطط لها, أمام الله, وأمام الشعب, وأمام الأجيال, وأمام التاريخ, وعليها أن تتحمل المسئولية أمام القانون والقضاء والنيابة, ولا تعتبر نفسها من لون وعرق طاهر وغيرها من لون وعرق هابط ونجس, فلم يعد أحد يُقنعنا بهذه النظرية, لذا أدعو القانون والقضاء للتعامل مع كل شخص مهما كان وضعه له علاقة بجرنا للوراء من خلال محاولات العربدة والزعرنة .
كانت الجماهير تتوقع من متفوهي فتح والعابثين بدماء أبي عمار, أن يقفوا بصلابة في وجه المؤامرة عليه, ويُصروا بقوة على فتح ملف الاغتيال, والتحقيق في الجريمة, لا أن يضعوها في خلفيات ضميرهم, واستحضارها في ظروف سيئة ومشينة لا تليق, ولاستحضارها لعودة الفلتان والمناكفة السياسية .
ذكرى رحيل عرفات تُستغل اليوم من البطانة التي كانت حوله, وهي التي من المُفترض أن تخضع للتحقيق في المشاركة بعملية الاغتيال, فإذا عرفنا هذه الحقيقة ندرك جيدا تفسير ما يحدث.
اليوم فتح في الضفة الغربية فلول التيار المجرم الهارب من غزة, يتاجرون برموز هذه الحركة, ويتاجرون بأبناء الناس من خلال زجهم في الشارع وتحريضهم على الفوضى ثم التخلي عنهم, ففتح في فنادق رام الله يكافحون لإسقاط حماس حتى آخر جهد وعرق ومال كل فتحاوي في غزة. ما هذا الهذيان ؟! وما هذا الاستخفاف بالعقول ؟!
فتح اليوم تغتال بحماقتها ومراهقتها واستلابها قرارها الوطني الرئيس أبو عمار مجدا, بعد أن اغتالته قبل ثلاث سنوات بخيانة البطانة, وصمت التنظيم حتى اللحظة . من المفترض ان الرئيس عرفات أكبر وأطهر من ممارسات فتح اليوم .


