الخميس 12 فبراير 2026 الساعة 03:38 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

أهلاً رمضان

حجم الخط

 

نواصل في هذه الحلقة الحديث عن رمضان، وفي رمضان يحلو الحديث عن رمضان، والحديث عن الشيء في أوانه وإبانه، والحديث عن الحبيب حبيب.. ويطيب.. ورمضان شهر حبيب.. والحديث عنه كذلك.

رمضان.. صفوة الزمان.

 

«الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس» والله يصطفي من المكان فاصطفى مكة لتكون موقع بيته الحرام، واصطفى المدينة لتكون مهاجر النبي عليه الصلاة والسلام.. واصطفى القدس والأقصى لرحلة الإسراء وبدء رحلة المعراج. واصطفى من الجبال الطور لتكون بعثة موسى عنده وأقسم الله به لشرفه ومنزلته فقال: «والطور». واصطفى بدراً لتكون مكان المنازلة الأولى مع الكفر، وأول نصر، فكانت بدر بدراً. واصطفى العرب ليكونوا قوم النبي الذين يحملون معه عبء الدعوة وينصرونه. واصطفى لغتهم لتكون لغة الكتاب الخاتم. واصطفى من الزمان، فاصطفى الفجر ليكون أعظم الصلوات فقال عنه: «وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً» واصطفى أوقات الصلوات الخمس عموماً. واصطفى السحر للاستغفار: «والمستغفرين بالأسحار». واصطفى عشر ذي الحجة لتكون وقت فريضة الحج، والركن الخامس للإسلام فأقسم بهذه الأيام وبالفجر إذ قال: «والفجر وليال عشر». واصطفى رمضان ليكون شهر نزول القرآن واختار ليلة القدر منه ليكون بدء النزول فيها.. وجعلها معادل الزمان. بل تفوق كل الزمان. فرمضان صفوة الزمان وخيرة الله من الزمان «وربك يخلق ما يشاء ويختار»

 

الصيام يختصر الدين كله.

إذا قلنا –وبحق ما نقول-: إن الدين نصفان: نصف شكر ونصف صبر، فإن الصوم يختصر الدين كله ويمثل الدين كله ويعبر عن الدين كله ويختزل الدين كله.

 

أما الشكر فبالصوم نشكر الله على نعمة المنهج والدستور الإلهي والتشريع والاعتقاد والعبادة ومنهج الأخلاق ونظام الاجتماع، بل تنظيم الحياة بتفاصيلها. وأما الصيام في ذاته فهو عمل امتناعي –إن جاز التعبير- بمعنى أنه يقوم على الصبر. من هنا كان أجره بلا حساب.. لأن الصابرين يوفون أجورهم بغير حساب: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» وأما الشكر فيكفي أن فاعله من القليل المعتبر في نظر الله: «وقليل من عبادي الشكور»

والدين قرب من الله، والصوم من أعظم القربات إن لم يكن الأعظم. والدين رشد، وبالصوم ترشد الأمة ومن هنا قال الله في وسط آيات الصوم: «لعلهم يرشدون» والدين وحدة وتوحيد، والصوم أحد أعظم ما يحققهما. فرمضان، وصيامه، روح الدين كله.. ويختصر الدين كله.

 

موسم الجنة.

الأرض برمضان، والأرض في رمضان، جنة على الأرض، وجنة في الأرض، وجنة قبل الحساب والعرض.

أليس القرآن سبيل الجنة وراسم خارطة الطريق إلى الجنة قد نزل في رمضان؟ فرمضان بما نزل فيه من القرآن سبيل الجنان. فلو قلنا إن رمضان هو الجنة، ما كان مجازاً، بل حقيقة.

 

أليس البشر في رمضان قد خف من نفوسهم نوازع الشر والمادية والعداوة والقطيعة والتحاسد، والكيد وخف سُعَار الشهوات، فكأنهم غدوا ملائكة يمشون مطمئنين، فالأرض بهم جنة، لأن المعهود على الأرض، نقيض هذه الخصال، والطرف الآخر من هذه الصفات.

 

أليس في الجنة روح وريحان.. ورمضان روح وريحان.. وهو السبب لدخول «جنة نعيم»، وما توصل به إلى الشيء صار هو والشيء شيئاً واحداً. فرمضان من هذا الوجه جنة..

 

وما وقى من النار.. فهو سبيل إلى الجنة أو هو جنة. ورمضان من أعظم الأعمال التي تؤهل الناس لدخول الجنة. فهو عمل يسير بأجر كبير، يرفع معدلات العاملين ليؤهلهم لدخول الجنة. فالعمل الذي يدخل الجنة جنة. وفي رمضان تفتح أبواب الجنان وتتزين للعباد فهو شهر الجنة.. وموسم الجنة.. فيا طالب الجنة.. هذا شهر الجنة.. هذا هو الجنة!

أليس القرآن الذي نزل في ليلة القدر، نزل في ليلة سلام كلها: «سلام هي حتى مطلع الفجر»؟ وأوليس القرآن الكتاب الذي جاء يقر السلم النفسي والسلم الأسري والسلم الاجتماعي والسلم العالمي، ومن هنا قال الله عن كتابه ودينه: «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة»؟

 

وأوليست الجنة كالعالم الذي أنشأه القرآن، أوليست دار السلام؟ ومن هنا قال الله عنها: «والله يدعو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» فدار السلام الجنة، والصراط المستقيم هو القرآن الذي نزل في رمضان في ليلة القدر منه، ليكون خارطة الطريق للوصول إلى دار السلام.

 

وبعد. فإن صيام رمضان من أيسر الطرق وأقصر الطرق المؤدية إلى الجنة وإني لأرجو أن يكون فهمي سليماً إذ أقول إن الله شرع ركن الصيام ليدخلنا الجنة، ولله المثل الأعلى، فمثل الصيام كمثل السؤال السهل يضعه الأستاذ ويضع عليه أربعين درجة مثلاً ليرفع معدل طلابه ويكتب لهم النجاح.. فرمضان والصيام ليس مبالغة أن نقول: إنه الجنة!

الصيام جُنة.

كما وصفه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه وقاية من النار.. بما يرفع من أخلاق الناس، ويصفّي من طبائعهم، و»يروّق» من كدوراتهم. وبما يؤلف بينهم، فتنكفّ نوازع الشر، وتنعتق بواعث الخير، وتنكمش الشياطين وتصفد وتنطوي على نفسها مخذولة مقهورة مهزومة مثقلة محزونة في هذا الشهر.. فهذا الأمر جُنة أيضاً.. بمعنى انكفاف نزغات الشر والشياطين.

أولست بترك الطعام والشراب تحكمت في ضروراتك، وهذا التحكم هو الذي يرفعك، فكم يجعل الانفلات الأخلاقي الناس كالدواب، بل هم أضل، وكالأنعام بل أقل..

 

فالصيام جنة عن الارتكاس في حمأة الحيوانية والمادية والشهوانية والغرائزية..

والصوم جنة بما يباعدك عن النار، فإن كل يوم صيام يحفر بينك وبين النار خندقاً يبعدك مسافات لا تقاس بالأيام بل بالأعوام عن النار ذات الضرام.

 

والصوم جنة من النار، والصيام جنة من ضعف الإيمان، وضعف العزيمة والإرادة، وجنة من ضعف النسيج الاجتماعي، وجنة من سوء الأخلاق، وجنة من غضب الجبار، وجنة من ضعف الهمة، وجنة من العصبيات الجاهلية، وجنة من الشح والبخل بما يربي في النفس من الجود، فقد كان رسول الله في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة.. ولخص النبي كل ذلك وما هو فوق ذلك بكلمة: «الصيام جنة»!

 

رمضان.. والربيع العربي.

يأتي رمضان هذا الموسم بنكهة جديدة ومذاق جديد وطعم جديد. يأتي رمضان في أجواء الربيع العربي، في بدء التحولات الكبرى في المنطقة.. ورمضان شهر التحولات، فالتقى الربيعان والموسمان والنهضتان: الربيع العربي.. ورمضان. ولا يغرنك الحر في فصل «الربيع» وعبادة الأحرار غير عبادة «العبيد»! كما كان يقول أصحاب الأذواق! عبادة الأحرار ترفعهم وتنفعهم في الدين والدنيا والآخرة. وعبادة «العبيد» لا ينتفعون منها بشيء في المجالات كلها، أما تذكر قول بني إسرائيل لموسى عندما جاءهم بدعوة التحرير فقالوا مستكثرين ضريبة الحرية مستشعرين أن ضريبة الذل أقل تكلفة فقالوا: «أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم، ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون»

ورمضان فيما يخص آخر بلدان الربيع العربي الذين علقت ثورتهم وتوقفت في الظاهر، وإذ بها تنتهي عَطَلتها مع أولى هبات نسائم رمضان، فيا شهر الحرية والأحرار ما أعظمك، وهذه أولى بشائرك.. بشرنا الله بك وفيك بزوال بشار.. وجعل الله مصير المؤمنين الجنة ومصيره إلى النار.

 

اللهم اجعل رمضان الذي هو ربيع القلوب والشهر الذي نزل فيه ربيع القلوب اجعله ربيعاً للنصر والعزة والتمكين وتحرير مسرى سيد النبيين.. اجعله ربنا ربيعاً للعرب أول من حمل الرسالة.. وربيعاً لأمة النبي من المسلمين، بما حملوا من الرسالة. وكما تتفتح القلوب لأنوار الوحي اجعل النفوس يا مولانا في هذا الشهر تتفتح لأنسام الحرية والكرامة والعزة والرفعة.. آمين.