في مدرستي التابعة لجمعية المركز الإسلامي -يوم كانت الجمعية في أوج عطائها وتأثيرها- لم نكن نعرف التقسيمات الإقليمية وبشاعة معانيها، لم نكن نسأل بعضنا كمعلمات وطالبات وزميلات: من أين أنت؟ وحتى لو عرفنا لم تكن المعلومة ذو أثر، سوى لاكتمال التعريف ليس أكثر.
لم تستح واحدة أن أصولها فلسطينية، ولم ننظر إلى البعض على أنهن أقل مواطنة او ولاء وانتماء، ولم يزاود أحد على أحد، فقد تربينا على أن الأردن جزء من بيت المقدس وكنف الأرض المقدسة الأقرب، أرض رباط مباركة تحفل برفات الأنبياء والصحابة وذكرى الانتصارات والفتوحات، وفلسطين بلد مقدس ووقف وقضية إسلامية لا يجوز التنازل عن شبر منها، وتحريرها واجب في عنق كل مسلم، وليس حكرا على شعب أو جنسية معينة.
ولكننا خرجنا من عش الأمان المدرسي الى واقع المجتمع، الذي لعبت فيه بعض أيد ظاهرة وخفية، فعمقت الهُوة بين أبناء البلد الواحد عن سابق إصرار وتخطيط؛ من باب "فرق تسد"، وفرضت علينا في الحياة وفي المؤسسات المسميات، والفروق البغيضة التي تفرق بين أبناء شرق نهر الأردن وغربه، وهي المسؤولة عن تربية جيل أعمى من الطرفين، تحركه الجهالة وجاهلية التفاخر الأجوف بالآباء، التي لا تصب إلا في باب الفتنة المنتنة كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الا أن الحركة الإسلامية تمكنت من العبور بأبنائها سالمة وسالمين فوق هذه الصراعات المصطنعة المقصودة، فلا نكاد نشعر بين جنباتها بهذه الانقسامات والتجاذبات، بل نرى أن من تسول له نفسه بهكذا منطق شخص يعاني من ضعف في التربية وخلل في المبادئ.
الاسلام هو الحل وقد كان فعلا هو الحل في تجاوز أزمة الهُوية أو الهُويات البينية، وهذا ما نعيشه فعلاً لا قولا في صفوف الحركة الإسلامية، وهذا باب موصد لن يستطيع من ينفخون في كير الفتنة فتحه بإذن الله، ونحن إذ نضع عقولنا وقلوبنا وجوارحنا في خدمة بلدنا، ونرى إصلاحه من الأولويات الأولى، ومع ذلك لا نفرط بدور الأردن تجاه فلسطين والأمة العربية المسلمة، فإصلاح الأردن هو الخطوة الأولى لاستكمال دوره التاريخي العظيم في محيطه العربي إسنادا ودفاعا،
"القوشان باسم جدي وجدك" هذا ما أخبرني به أحد الأخوة من المجالي في الكرك في معرض حديثه وهو يشجعني على القدوم المتكرر إليها، فكنت سأرد عليه ليس قوشان الأرض فقط باسم جدك وجدي إنها بلادنا ودماؤنا وأعراضنا وأنسابنا المؤتلفة وتاريخنا ومستقبلنا الواحد.
فيا من تمكرون العبوا بعيدا عن الحركة الإسلامية، فهذه منطقة مستقرة مزدهرة، يعيش أبناؤها في ظلال الأخوة ورحم الوطن، وليس لكم عليهم سبيل، ولا على كل عاقل مخلص للبلد.

