الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 11:07 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

قضايا ساخنة في صيف ساخن (2)

حجم الخط

 

1- مدخل

تحدثنا في حلقة سابقة عن مصر، ومع أننا لا نؤمن كما يقولون بنظرية المؤامرة، لكن المجلس العسكري يتآمر قطعاً على مصر وثورتها، ومن هنا جاءت دعاوى موت مبارك؛ لإلهاء الناس ولتمرير قضايا عدة منها: النصوص أو التعديلات الدستورية المكملة (مكملة لإيه!)، ومنها وضع مبارك في مشفى حلوان، ومنها التغطية على تأخير إعلان نتائج الانتخابات، وربما يتم تزوير النتائج لتفويز شفيق أو الإعلان أن الانتخابات غير شرعية وتقتضي الإعادة. وكيف سممت الماكينة الإعلامية أجواء مصر، وحرضت بعضها على بعض. وفي هذه الحلقة نتحدث عن سوريا التي يبدو أن العالم كله متواطئ على بقاء نظام الأسد. وما يفعل العالم إن كان الله يريد أن يمن "على الذين استضعفوا" وعجيب –في مصر أم العجائب- أمر المجلس العسكري، يزعم أنه يريد أن يسلم السلطة وهو يزيد تمسكاً بها ويزيد من صلاحياته!

 

ثم نعرج بعد إيران على عدة جبهات ومناطق ملتهبة، إن في غزة بفلسطين وإن في العراق والمذبحة اليومية المفتوحة، وإن في تونس وثورة بعض عناصر السلفية الجهادية بأمر من الظواهري على نظام حزب النهضة، باعتبارهم كما قال الظواهري نفسه عن حماس أنها باعت العقيدة من أجل المناصب.

 

وإن في العراق وتحكم المالكي العميل العميق ببلد عظيم كالعراق ومؤامرة أمريكا بتسليم العراق لإيران الشيعية، وما يدور في البحرين وتبني كثير من البلدان العالمية سوى إيران بالطبع لثورة الشيعة فيها، وإن في إيران وحصار أهل السنة والتضييق عليهم، ودعوى مناصرة المقاومة والممانعة. وكما نرى فإن لكل بلد مشكلته العميقة أو مشكلاته العتيقة والمستفحلة، ولكن أخطر قضايانا فلسطين، ومحاولة المجرمين تهويد الأقصى، ولكني في هذه الحلقة أحاول التحدث عن إيران وسوريا والعلاقة المصيرية بينهما.

 

2- إيران والهيمنة على العالم العربي

فرق بين إيران التي تملك خطة ورؤية –ولو مغلوطة- وحساً قومياً، وإرادة واستعداداً للتضحية، وبين دولنا التي لا تملك شيئاً مما ذكر، فهي تتخبط ولا تتقدم خطوة إلى الأمام، وتنتظر الأوامر من الأعداء.

 

هذه الدولة التي تنطلق من استراتيجية سياسية ومبادئ أيديولوجية، بقطع النظر عن مقدار الخطأ والصواب فيها، لكنها تتخذها منطلقاً لها، ودولنا تستحيي أن تنطلق من الإسلام، حتى بعض الدول التي تزعم أنها تنطلق من الإسلام فهي في واقعها نقيض ما تدعيه!

 

إيران اليوم باتت تتحكم في أربع دول عربية، ولها أصابع في عديد من البلدان الأخرى، فهي تدير أزمة سوريا، وتتحكم في سياستها وجيشها وأمنها وإعلامها، وهي تتحكم في لبنان تماماً من خلال قوة حزب الله، وكم نكره لغة الطائفية والاصطفافات، لكن هذا ينبغي ألا ينسينا الواقع وخطورة الاختراق الإيراني.

 

وتتحكم في العراق سياسة وجيشاً وأمناً وبترولاً وماء وثقافة وأحزاباً ووزراء، بل إن الحكومة العراقية تتشكل في طهران، ودولنا غائبة عن الساحة العراقية، وبعدما أسقطوا صدام لصالح أمريكا وإيران تخلوا عن أهل السنة وادعوا العجز. وواضح أنها تسعى جادة جاهدة للاستحواذ على البحرين، وهي لا تخفي أطماعها، بل إنها أعلنت رداً على المشروع السعودي الذي لن تكتب له حياة بالوحدة مع البحرين، ردت إيران فقالت: "إن البحرين طيلة التاريخ جزء لا يتجزأ من إيران!".

 

3- ماذا تريد إيران؟ (سياسة دوخينا يا ليمونة!)

إيران دولة باطنية تعلن شيئاً وتخفي عنك أشياء، فلا يكاد العالم العربي يفهم مما تريده شيئاً، وقطعت مصر علاقاتها مع إيران، وهي أي مصر التي أسقطت العراق في وعاء الاحتواء الإيراني. وقطعت علاقاتها بأمر من السيد الذي نسق مع إيران لاحتلال العراق (أعني أمريكا- إسرائيل). ومصر مبارك هي التي أضعفت العراق منذ سنة 90 وحرب الخليج، ودول الخليج أسهمت في إضعاف العراق اقتصادياً بالحصار، وقبل الحصار بإغراق سوق النفط وبيعه بأقل من سعر التكلفة ليضاروا العراق.

 

وأخيراً أصبح العراق هو الحيرة من جديد، والحيرة بكسر الحاء اسم العراق قبل الفتح الإسلامي أيام كان محتلاً من إيران تحكمه قبائل عربية عميلة للفرس، حتى حرر العراق: الصديق والفاروق وسيف الله المسلول وبقية الصحابة. ولذلك؛ فإن إيران تعد هؤلاء أعدى أعدائها ولن تجد اسماً من هؤلاء بين أسمائهم! لقد رجعت مملكة "الحيرة" من جديد، وإيران تصفي حساباتها التاريخية مع هذا البلد، بدعم خونة من القبائل العربية كالمالكي أو إيرانيين متلبسين بالهوية العراقية، كبيان صولاغ الذي كان وزير داخلية في العراق "البريمري" وكالسيستاني (الإيراني!) ولقد جرى تجنيس ملايين الإيرانيين بالجنسية العراقية بحيث يكسر التوازن الديموغرافي لصالح العرق والمذهب (التشيع الفارسي!).

 

وبينما لا تقبل إيران مطلقاً أن يكون ولاء مكون من مكونات شعبها لغير إيران، فإنها جعلت الشيعة العرب أتباعاً لها، وولاؤهم مطلق لفقيه إيران أو دكتاتورها علي خمنئي.

 

إن إعادة العراق دولة مستقلة يحتاج منا إلى جهود عشرات السنين، وعشرات آلاف الشهداء. لقد قتلت إيران والموساد والمخابرات الأمريكية كل كفاءات العراق العلمية والتكنولوجية والأكاديمية والفنية والعسكرية بالاغتيال والملاحقة، وهجرت جل من بقي على قيد الحياة منهم!

 

لقد أرجعت المؤامرة الكونية على العراق، بالتعاون العربي بالطبع، أرجعت بلداً عظيماً كالعراق إلى العصر الحجري كما كان بوش الكبير يهدد، أرجعوه إلى العصر الحجري!

 

4- بين سوريا والبحرين

لإيران رؤيتها ومنظورها السياسي في رؤية الأحداث والثورات، فما يجري في البحرين ثورة شعب ضد الدكتاتورية، ولرفع "المظلومية"، شعارهم الخالد وشعورهم النفسي الدائم وعقدتهم المقيمة الملازمة، أقول هم يرون أن ثورة شيعة البحرين من أجل رفع المظلومية التاريخية عن الشيعة. ما يجري في سوريا مؤامرة ضد المقاومة وضد الممانعة وضد رفض الهيمنة، ومثل هذا الكلام الأجوف.

 

ولكن ما حجم مظلومية شيعة البحرين إلى حجم مظلومية الشعب السوري، ولا أريد أن أقول أهل السنة في سوريا؟ هل اغتصبت نساء الشيعة في البحرين كما اغتصبت النساء في المناطق السنية؟ هل ذبح أطفال الشيعة في البحرين كما ذبح أطفال السنة في سوريا؟ هل قصفت قرى الشيعة في البحرين بالمدفعية الثقيلة والطائرات والراجمات كما قصفت القرى السورية؟

 

وعندما جاءت بعض العربات من بعض الدول العربية إلى البحرين جاءت في زفة "وهلليلة" إعلامية، بينما إيران تدعم بكل طاقتها سراَ ودون تصوير ولا إعلان ولا تغطية إعلامية!

 

كم قتل في البحرين من الشيعة؟ بضعة أفراد، ونحن بالقطع ضد القتل ولو لفرد واحد؛ لأن من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، فحرمة الدم واحدة!

 

لكن قد قتل من إخواننا السوريين: الأرقام المعلنة قرابة العشرين ألفاً، والأرقام الحقيقية تصل إلى الخمسين ألفاً. فما هذا العمى؟ ترون مقتل شخص ولا ترون مقتل خمسين ألفاً؟ وطفل يحقق معه في البحرين، قامت قيامة ال بي بي سي، وآلاف الأطفال في السجون والتعذيب وقتلى القصف والذبح وتقطيع الأعضاء ولا تذكرهم ال بي بي سي! والتبني الغربي للتشيع أظهر من أن يحتاج إلى إظهار أو إشهار؛ فواضح أنه نمط من التدين قابل للاحتواء، ودين قابل للتفصيل على المقاسات، فلا ثوابت، وإنما ما قال الفقهاء.

 

وعندما قال السيستاني: مقاومة الأمريكان حرام، وهي الفتوى "الشرعية" بل الشيطانية التي أصدرها هذا الإيراني في بدء الغزو الأمريكي، وكما يقول رامسفيلد مقابل مئتي مليون دفعتها له أمريكا، ولم يكذب هو ولا أتباعه الخبر!

وسياسة العرب في البلدين رديئة عاجزة فاشلة؛ ففي البحرين قامت قيامة إيران على "التدخل" الخليجي في شؤون البحرين، بينما هي تدير كل أمور سوريا وترسل قواتها؛ للمساعدة في القنص والذبح في ذلك البلد.

ولنا مع موضوع إيران عود في حلقة قادمة من القضايا الساخنة إن شاء الله!