نظرياً، بدأ العمل بقانون حظر التدخين في الأماكن العامة في 25-5-2010؛ أي منذ ما يقارب العامين، ولكنه ككثير من القوانين الإصلاحية في بلدنا لا يغادر الأدراج ولا يعدو كونه حبراً على ورق، وفي الوقت الذي تعهدت فيه وزارة الصحة التي نفذ القانون في عهدها برئاسة الدكتور نايف الفايز، أنها لن تتهاون مع من يخالف قانون الصحة العامة وما يتعلق بموضوع حظر التدخين، وستتخذ خطوات جدية وسيتم التنسيق مع كل من الأمن العام والشرطة البيئية في تطبيق القانون، الا أن كلام الوزارة الأولى محته الوزارة التالية، وكلما جاءت أمة لعنت أختها وبدأت من الصفر! وبقي حال التدخين في الأمكان العامة في تزايد، وبينما يحتفل العالم المتحضر كل عام بيوم مكافحة التدخين، نشذ في الأردن بزيادة عدد المدخنين وبإنفاق يزيد على 720 مليون دينار سنوياً.
والقانون النظري ينص على فرض عقوبات بحق المدخنين في الأماكن العامة؛ إذ يعاقب من يدخن فيها بالحبس مدة لا تقل عن أسبوع، ولا تزيد على شهر أو بغرامة لا تقل عن 15 دينارا، ولا تزيد على 25 دينارا.
إلا أننا شعب مستهتر عموما! نفرض القوانين ثم لا نأخذها بقوة ولا نطبقها، فكل المؤسسات العامة تضع لافتة ممنوع التدخين وترى الموظفين أول من ينفثون دخان سجائرهم في وجه المراجعين، وإذا ارتفعت حرارتك وأصابتك هوجة الحمية وقررت -لا سمح الله- الاعتراض فاقرأ على معاملتك السلام! فالسكوت والتدخين السلبي باستنشاق عبير السجائر سيد الأخلاق!!!
حالة الاستهتار التي يعيشها الشعب بالقوانين تأتي من عدم الإلزام بها والمحاسبة عليها، ولولا أن رئيس الوزراء أمن هذا لما قام بالتدخين علانية تحت قبة البرلمان، وعلى عينك يا شعب، واللي مش عاجبوه ينتف جواجبه ويشرب من البحر الميت! والأصل في رئيس الوزراء أن يكون في موقع القدوة والالتزام، لا في موقع التجاوز والانتهاك؛ فللوزارة أخلاق، وللمكان بروتكول، وهذه يجب أن تراعى لا أن يضرب بها عرض الحائط!
ولكن يبدو أن دولة رئيس الوزراء لا يعلم مدى حرص الشعب الأردني على نواب هذا المجلس وصحتهم، فلقد دخلوا تاريخ الأردن السياسي من أوسع أبوابه، وأتوا بما لم يأت به الأولون! ولن يستطيعه الآخرون! بل إنهم سيصدرون قانونا انتخابيا يحرص على عودتهم للمجلس؛ فهم -لفرادتهم وحسن صنيعهم- غير قابلين للاستبدال!!
صورة رئيس الوزراء حجة ونجاة لكل من يدخن في الأماكن العامة، ثم لا يعاقب أو يدفع! فإذا كان رب البيت مدخناً فشيمة أهل البيت كلهم تحشيش!
قيل في تاريخ الدول الفاسدة إنها كانت إذا دخن الشريف فيها في الأماكن العامة تركوه، وإذا دخن الضعيف حبسوه أو غرموه! فهل نحن من هذه الدول؟!
رأينا صورة رئيس الوزراء الطروانة وهو يدخن تحت القبة، فهل نراه وهو يختار طواعية التقدم لدفع غرامة المخالفة؟ هذا خبر صحفي يجب أن نقرأه قريبا إذا كنا ندعي الشفافية والإصلاح ومحاربة الفساد.
ما تفعله بنا الحكومة لا تعالجه سيجارة ولا تنفيخ، ولا حتى أفخم أنواع المخدرات قادرة على أن تنسينا رفع الأسعار والفساد الذي ينهشنا كالسرطان، فأبقوا لنا شيئا من الصحة؛ حتى نستطيع تحمل «البلاوي»، فلن تجدوا شعبا مثلنا مطواعاً ينفث في وجهه كل الخبث ويقول: كمان!
الجريمة عظيمة بقدر من ارتكبها، والتكفير كذلك يجب أن يكون عظيما وسريعا.


