المؤبد للرئيس المخلوع (محمد حسني مبارك) ، ووزير داخليته (حبيب العادلي) والبراءة لبقية المتهمين، ومن بينهم علاء وجمال حسني مبارك ، قرار المحكمة الموقرة أثار ردود أفعال غاضبة في داخل قاعة المحكمة وفي خارجها. ردود الأفعال الغاضبة عبرت عن نفسها بدعوات شعبية لتطهير القضاء المصري ، وبوعد من مرشح الرئاسة (محمد مرسي) بإعادة المحاكمة إذا ما صار رئيساً لمصر.
لم يكن أحد في مصر يتوقع تبرئة علاء وجمال، وحسين سالم، ومعاوني وزير الداخلية، ولم يكن أحد يتوقع تبرئة مبارك من تهمة التربح ، فقانون (من أين لك هذا؟) وحده كافٍ لإثبات الإدانة، لا سيما وأن (فلل شرم الشيخ) ما زالت في مكانها وقيمتها.
المقدمة الطويلة التي قدمها المتحدث باسم المحكمة حول الجهود الكبيرة والمضنية التي أرهقت المحكمة ، وآلاف الصفحات التي تتطلب القراءة والتمحيص ، كانت تهيئ النفس المصرية المستقبلة للقرار للصمت أو القبول ، مما يوحي بأن المحكمة كانت تتوقع غياب حالة الرضا الشعبي عن الأحكام.
الظروف التي اكتنفت المحاكمة لم تكن ظروفاً طبيعية ، واليوم الذي نطقت فيه المحكمة بالحكم لم يكن يوماً طبيعياً ، إنه اليوم الثاني من حزيران 2012م، حيث يفصل بينه وبين يوم الإعادة لانتخابات رئيس مصر أسبوعان، ولكل الأطراف ما يشغلها ويهمها ، ولكل طرف أجندته التي رتب فيها أولوياته، ولا أحسب أن أحداً قد رتب أولويته على مواجهة القضاء ، أو مواجهة المجلس العسكري ، لذا فإن يوم النطق بالحكم هو يوم مريح للمتهمين ، وللقضاء ، وللمجلس العسكري ، وهو غير مريح على المستوى الشعبي.
ردود الأفعال الغاضبة لا يمكن حصرها بمنطوق الحكم، بل يمكن تجاوز منطوق الحكم إلى دلالاته كما يقرؤها الرأي العام المصري الغاضب، ومن هذه الدلالات أن براءة أحمد شفيق مؤكدة، فليس عند شفيق من التهم ما عند أبناء مبارك ، أو حسين سالم، أو معاوني حبيب العادلي، وبالتالي فإن شفيق ماضٍ في المنافسة على كرسي الرئاسة ، ومن هذه الدلالات توقع صدور عفو عن الرئيس مبارك لاحقاً لأسباب إنسانية تتعلق بالمرض ، وطول العمر ، وهذا توقع يبعث على القلق ويشحن ردود الأفعال بالغضب.
الثورة المصرية كانت أبدع وأروع ثورات الربيع العربي ، ولكنها للأسف لم تكتمل ، وأسلمت أهدافها وغايتها للمجلس العسكري وللجيش كي يقوم بالإكمال والإتمام، ولم يفطن الثوار إلى المفارقة الحقيقية بين رؤية الشعب ، ورؤية المجلس العسكري ، المجلس العسكري لا يملك الإغراء اللازم لاستكمال الثورة بحسب رؤية ميدان التحرير ، وكل أفعاله على مدى سنة ونصف تقول ما قالته المحكمة اليوم، يكفي أن يسقط مبارك ، ويكفي أن يسقط التوريث، وهذه غاية ما كان ينتظره الشعب.
الثورة المصرية تدخل في منعطف خطير بما صدر من أحكام على المتهمين، والتحول الديمقراطي والتغيير يدخلان أيضاً في منعطف أخطر، ومصر لا تدري ما هو المخبأ في اليوم التالي ، وجل المراقبين لا يرون أن انتخابات الرئاسة ستحل مشاكل مصر ، أو مشاكل الثورة، لأن القوى المصرية التي تشارك في تقرير المستقبل متشاكسة وغير متكافئة، وهنا يجدر بقادة الثورة مراجعة أنفسهم وآليات عملهم للوصول بالثورة إلى أهدافها ، والتوجع غير كافٍ.
