أفكار هذا المقال ليست أفكاري بل تعلمتها من أستاذي الفاضل جودت سعيد..أما ما دفعني لاستحضارها الآن فهو سؤال جدلي طرحه أحد الكتاب هل الفكر هو الذي يسبق الواقع أم أن الواقع هو الذي ينتج الفكر؟..
بمعنى هل لدينا منظومة من الأفكار التي نؤمن بها مسبقاً ونسعى إلى إنشاء واقع جديد يترجمها..أم أن هذه الأفكار قابلة للمراجعة في ضوء الواقع، فللواقع سلطانه الذي يثبت به بعض الأفكار ويسقط به أفكاراً أخرى؟؟
الواقع أقوى من كل النظريات لأن النظريات لا تزيد عن كونها محاولةً لتفسير الواقع أو البناء عليه..إذاً فالواقع هو الأساس..
يقود الإيمان بأسبقية الأفكار على الواقع وتعالي هذه الأفكار عن المراجعة مهما خالفها الواقع إلى غياب المرونة وغياب وعي الاستشراف والنظر المستقبلي..
يقول الكاتب مصطفى تاج الدين: "حاولت قدر المستطاع ان أتجرد من النسق الكلي للأفكار التي تبنيناها لمدة غير يسيرة من الزمن. إذ أصبحت مقتنعاً بأن التفكير من داخل النسق لا ينتج فكرا مستقبليا لأنه فكر محكوم بالهموم اليومية وردود الأفعال، وتأكدت من خطورة انتماء العلماء الى الأحزاب والحركات وهي بدعة جديدة جنت على الاجتهاد وجعلته مرهونا لدى المؤسسة أو التنظيم أو الجمهور".
التفكير من داخل النسق الذي يقصده الكاتب هو التفكير المرهون بفرضيات ونظريات مسبقة أي أنه التفكير الذي لا يلتفت إلى الواقع لأنه لا يؤمن بشرعية هذا الواقع..فقط يؤمن بشرعية منظومته الفكرية ويجمد عليها ولا يراجعها..وقد أصاب الكاتب في رأيي حين وصف هذا التفكير بأنه لا ينتج فكراً مستقبلياً لأنه محكوم داخل الإطار..
إذا كان من حق الإنسان بل من الواجب عليه أن تكون لديه مجموعة من الأفكار النظرية السابقة للواقع التي تشكل رؤيته للواقع المستقبلي وتشكل عامل تحد لاستنفار طاقته حتى يسعى لترجمتها، فهل يعطيه هذا الحق بأن يغلق عينيه عن سلطان الواقع وقوته وأن يناطح الجدار ويظل مصراً على صواب نظرياته مهما تعثرت على صخرة الواقع..أم أن الواقع هو المعمل الذي يثبت صحة هذه الأفكار أو خطئها، وأن العلاقة الصحيحة بين الواقع والفكر هي علاقة توازنية فبينما يكون من الضروري أن يكون هناك فكر منشئ للواقع، فإنه لا بد أن يكون هذا الفكر من المرونة بحيث يلتفت إلى الواقع فيعدل نفسه وفق معطيات الواقع، والكلمة الأخيرة هي للواقع الذي لا يصح فيه إلا الصحيح فيحق الحق ويبطل الباطل..
من المفاهيم التي تتردد كثيراً في القرآن الكريم مفهوم العاقبة..والعاقبة هي المآل والمصير الذي تؤول إليه ممارسة الأفكار..
يدعونا القرآن إلى تأمل عاقبة الأمم السابقة "فانظر كيف كان عاقبة الظالمين"، "فانظر كيف كان عاقبة المكذبين"..
أي إن المقياس الذي يعتمده القرآن لتبيان صحة الأفكار من خطئها في حياة الأقوام التي سبقتنا عبر التاريخ هو مآل هذه الأفكار على أرض الواقع..
لقد حدثت عبر التاريخ صراعات اجتماعية كثيرة بين الأنبياء والصالحين من جهة وبين أقوامهم من جهة أخرى، وفي خضم هذا الصراع الاجتماعي كان الأنبياء يراهنون على عامل الزمن الذي سيثبت أي الفريقين على صواب وأيهما على خطأ..
تأملوا ماذا خاطب شعيب عليه السلام قومه: "وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين"
لقد انقسم المجتمع إلى طائفتين..فكيف السبيل إلى حسم هذا الصراع الاجتماعي.. لقد راهن شعيب عليه السلام على المستقبل فهو الجدير بإظهار الحق من الباطل..
إن مقياس صحة الأفكار أو خطئها هو بالفصل الأخير من تاريخ الأمم والأقوام..ربما ينتفش فريق وينتفخ حيناً من الدهر..لكن هذا العلو المؤقت ليس دليلاً على صحة موقفه "أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون"، "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل"..إن العبرة هي بالفصل الأخير من الرواية..
وكما أثبت التاريخ صحة الأفكار من خطئها وفق مفهوم العاقبة..فإن التاريخ لا يزال مقياساً صالحاً لمحاكمة الأفكار إليه..فالمراهنة على التاريخ هي مراهنة ناجحة ومضمونة..
إن القرآن يوجهنا إلى المستقبل ويدعونا للمراهنة عليه لأن التاريخ هو المعمل الذي يثبت الأفكار أو يمحوها "وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ"، "تربصوا إني معكم من المتربصين"، "فانتظروا إني معكم من المنتظرين"..
إن الأيام هي التي ستظهر الحق من الباطل..حتى وإن ظهر الباطل في إحدى الجولات فإن العبرة في النهاية لمن ستكون له عاقبة الدار ..مقياس الحق هو ذلك الذي يثبت ويرسخ ويضرب بجذوره في الأرض "والعاقبة للمتقين"..
إننا لا يجب أن نظل أسرى للتفكير النظري المنفصل عن الواقع..بل علينا أن نراهن على التاريخ ونتخذه مقياساً لإثبات أفكارنا أو محوها..
القرآن لا يخاف من المستقبل بل يراهن عليه لأن المستقبل هو الذي سيأتي بدليل صحة القرآن "ولتعلمن نبأه بعد حين"، "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"..
التاريخ لا يزال هو الشاهد الأهم على صواب الأفكار أو خطئها، فالشيوعية فشلت لأن التاريخ أثبت فشلها وقال لنا التاريخ إن الأنظمة التي تحكم شعوبها بالحديد والنار ستسقط، والتاريخ لا يزال يواصل سيره ويسقط لنا في كل يوم ادعاءً فها هو قد أسقط أيضاً الأنظمة البوليسية العربية حين حكمت شعوبها بالحديد والنار، ولا يزال خط التاريخ سائراً لا يعرف التوقف، ولأن الفصل الأخير من تاريخ البشرية لم يكتب بعد فما الذي يمنعنا من توقع سقوط مزيد من الأفكار مستقبلاً رغم تألقها الآن..
كل فكرة لا تحقق معاني العدل والمساواة والحرية بين الناس فإن الأيام ستسقطها..حتى أفكارنا نحن المسلمين وثقافتنا فهي ليست معصومةً.. إن لم تكن منسجمةً مع الناموس الإلهي العام القائم على إحقاق الحق وإبطال الباطل فإن الأيام ستسقطها غير مأسوف عليها..ولن يبقى في نهاية المطاف سوى الحق المجرد الذي نعرف أنه الحق بأنه ينفع الناس..
الإسلام لا يفصل الفكرة عن الواقع بل إنه يجعل مقياس صحة الفكرة أو بطلانها هو مدى تحقيق هذه الفكرة لنفع الناس كل الناس أو عدم تحقيقها لذلك "فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"..فآية السيارة نسخت آية الخيل والبغال والحمير لأنها أثبتت أنها مما ينفع الناس، وآية البريد الالكتروني نسخت آية ساعي البريد لأنها أثبتت أنها مما ينفع الناس، وما ينطبق على هذه القضايا الجزئية فإنه ينطبق أيضاً على مبادئ الاجتماع والحضارة..
إن التاريخ هو أعظم معلم والاستغراق في الأفكار النظرية وحده لا يجدي بل علينا أن نراجع حساباتنا دائماً ونعيد تقييم أفكارنا بالنظر إلى الواقع والتاريخ لنعلم إن كانت هذه الأفكار زبداً أو مما ينفع الناس..
والله أعلم..


