ليست من عادتي الكتابة عن الأشخاص إلا من فارق هذه الحياة وترك بصمات جميلات خلفه، والدكتور صائب شحادات هو من هذا الصنف الذي جاءتني نعوته من نفس البريد الإلكتروني الذي كان يراسلني فيه.
تعرفت على الرجل في أمريكا، فكان شاباً مكافحاً عصامياً شقّ الطريق إلى ثلاث شهادات متتابعات في معالجة السرطانات والأمراض الباطنية، ثم نال منه نفس المرض، وهو يقول لك إن قسماً من الأطباء يموتون بنفس العلة التي يعالجون بها مرضاهم.
الدكتور شحادات راسلني وقال لي لا أعرف كيف تم الأمر، لقد ضربني سرطان قتاميني في فروة رأسي وانتشر وأنا غافل عنه. لقد أجريت له جراحة وتفريغاً للعقد اللمفاوية في الرقبة، وغبتُ عن عملي فترة؛ فمن سألني عن جروح رقبتي حاولت تغطية الأمر بشيء مختلف، ثم راسلني رحمه الله فقال أخي الفاضل أرجو أن تسامحني فلم أعد من أهل الدنيا بل أتأملها مودعاً، فقد انتشر المرض إلى الرئتين ولا أظن أن الأمر سيطول بي! أجبته وهل مثلك إلا ملاك هبط على الأرض ومشى بين الناس بروح الرحمة والفهم يرحمك الله يا أخي في الدنيا والآخرة. وأنتم السابقون ونحن اللاحقون. وهي ومضة في عمر الزمن ينتهي إليها كل واحد منا، وما تدري نفس بأي مرض تموت وما تدري نفس بأي أرض تموت.
لقد جاءتني نعوت الدكتور صائب شحادات في 25 إبريل 2012م فوقفت أفكر ليس عند اسمه بل بوابة الموت عموماً. أذكر جيداً وأنا أتمشى مع زوجتي السابقة التي أصبحت في عالم الآخرة حين وصلتنا نعوت صديقة لنا نعرفها نظرت إلي وقالت على بوابة الموت يتدافع ثلاثة أجيال؛ الأجداد ثم الأبناء ثم الأحفاد حين ينقلبون في السلسلة إلى أجداد. قلت ماذا أفهم منك؟ قالت الدور علينا الآن أمام البوابة وصدقت فقد رحلت. لكن مع موت صائب شحادات بقي الجد وفني الابن، فما أعجبها من أقدار في صور الموت. بقيت إلى لحظات أقلب النظر واستعيد ذكريات اللقاء به في فيرجينيا، وحين ذهبنا إلى مكان الآميش وكذلك حديثي للناس في مسجد هناك. كان الرجل نشيطاً طبيباً نطاسياً وعالماً مثقفاً وذخراً للأمة، ولكنه الموت الذي لا يسأل عن درجة علمية ومكانة طبية، بل يقول لقد آذن داعي الرحيل فهلم إلينا. كيف ذاق سكرات الموت؟ ماذا رأى بعد أن أصبح بصره حديداً؟ بمن التقى؟ ماذا وجد مما قدم من عمل؟ إنه عالم لا نعرف عنه إلا شيئاً واحداً أننا نلج إليه في طريق واحد لا عودة منه ولا فوت.
