لماذا فشل مشروع حل الدولتين كما طرحه جورج بوش الابن في رئاسته الأولى؟! ولماذا لم تنجح مفاوضات خمسة عشر عاما في إنضاج مشروع حل الدولتين؟!! وهل من المتوقع أن تنجح مفاوضات مستأنفة في إقرار مشروع حل الدولتين وإنزاله على أرض الواقع ؟!!
هذه أسئلة سياسية مجردة نطرحها على المتلقي كما نطرحها على أصحاب القرار ، وقادة العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني قبل غيرهم . وطرح هذه الأسئلة لا يعني إيمان الشعب الفلسطيني بفلسفة هذا الحل ، لأن فلسفة حل الدولتين بالمفهوم الإسرائيلي والغربي والأمريكي هو التفاف سياسي مجحف جدا بحقوق الشعب الفلسطيني الرئيسة.
نحن نطرح هذه الأسئلة الآن بمناسبة تصريحات إيهود باراك وزير دفاع نتنياهو ، لأننا اكتشفنا من خلال تصريحاته الأخيرة أن المفاوضات التي قادها عباس مع حكومات تل أبيب المتعاقبة كانت (مفاوضات خارج الجغرافيا تماماً؟!)، ما كان يجري من مفاوضات ، وما سيجري فيها حال استئنافها يقع كله خارج الجغرافيا في المساحة الممتدة بين البحر والنهر ، يقول (باراك) لعباس وللشعب الفلسطيني ، وللعالم كله: (لا دولة بين النهر والبحر غير دولة (إسرائيل)؟!!) . رفعت الأقلام وجفت الصحف؟!
ما قاله باراك هذا الأسبوع لا يحمل لي جديداً كفلسطيني يتابع قضية شعبه ، لأن قول باراك لا يعدو عن تأكيد جديد لما هو مقر في الرؤية الصهيونية وفي المواقف الحكومية المتعاقبة على الحكم في تل أبيب . بل إن قول باراك هو التفسير الأكثر دقة لعملية فشل المفاوضات . وهو القول الأكثر دقة في تفسير أسباب فشل مشروع حل الدولتين . وهو القول الأكثر دقة لتفسير عمليات الاستيطان المتتالية في الضفة الغربية . وهو القول الأكثر دقة في تفسير جدار الفصل العنصري ، وفي تفسير مشروع الدولة اليهودية الخالصة.
لا دولة فلسطينية حقيقية حتى على أجزاء من الضفة الغربية ، لأن الضفة مساحة بين النهر والبحر . وما هو موجود من سلطة هو تحسين لمفهوم الحكم الإداري الذاتي ، وهو غير قابل للتحول إلى دولة ذات سيادة ، وهو ما عبرت عنه رسالة محمود عباس اليائسة إلى نتنياهو مؤخراً.
عباس الذي يوسع حكومته في هذه الأيام ، يقرر بعد استلام رسالة (مولخو) أن يتوجه إلى الأمم المتحدة مرة أخرى . هو لا يضمن النتائج هذه المرة أيضا ، ولكنه يتوجه إليها لأنه يريد أن يبقى حيا ، بعد أن لم تثبت له مصداقية مقولة صاحبه (صائب عريقات): (الحياة مفاوضات؟!)، إذا بعد أن تحطمت هذه المقولة ، يقول لنا : (الحياة أمم متحدة؟!) .
من أراد أن يبقى حيا فعليه أن يطرق بوابة الأمم المتحدة في كل عام مرة على الأقل؟! المفاوضات التي جرت كانت خارج الجغرافيا تماماً، كانت نقاشات في الأمن والأيديولوجيا، ولم تكن في الجغرافيا ، وطرق بوابة الأمم المتحدة هو طرق خارج الجغرافيا أيضا ، إنه فكرة ساذجة عن العضوية ، التي تستمد أصلا من الجغرافيا ، وليس من بوابة الأمم المتحدة.
