الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 01:06 ص

مقالات وآراء

د. محمد المسفر

أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر
عدد مقالات الكاتب [330 ]

الوحدة أولا يا عرب الخليج العربي

حجم الخط

 

قد تصل مقالتي هذه إلى القارئ العزيز وقد انفض الاجتماع التشاوري لقادة دول مجلس التعاون وقرروا قيام اتحاد بين اثنين أو أكثر من دول المجلس وقبل كل قول فإني مع الدعوة إلى قيام اتحاد أو وحدة بين دول المجلس. أريد التذكير بأن ظروف نشأة مجلس التعاون في البداية كانت لأسباب الاضطرابات المحيطة بنا في ذلك الزمان، ثورة شعبية أطاحت بالنظام الملكي في طهران وأعلنت عزمها تصدير الثورة إلى محيطها العربي، أولا الاتحاد السوفييتي في زمانه اندفعت قواته إلى قلب أفغانستان على مقربة من مياه الخليج العربي، اشتعال الحرب العراقية ـ الإيرانية وأوضاع داخلية مضطربة في بعض دول الخليج العربي تنذر بعدم الاستقرار فكان مولد مجلس التعاون لدول الخليج العربي.

 

اليوم حال الخليج ليس بعيدا عن أمسه، أوضاع داخلية متفجرة في معظم دول المجلس تنذر بتغيرات سياسية مخيفة، سباق في ميدان التسلح النووي بين الدول المحيطة بالمنطقة (الهند وباكستان، إسرائيل وإيران) تهديدات إيرانية جادة، انعدم الأصدقاء وقل الوفاء لدول الخليج العربي ممن اعتقد حكام الخليج أنهم أصدقاء أوفياء، كثافة سكانية غير عربية قد تبتلع معظم دول المجلس، ظروف عربية غير مواتية وفوق هذا كله هناك مطالب شعبية لإصلاح نظم الحكم في المنطقة يقابله تمنع أو استعصاء على الإصلاح من قبل بعض حكومات الخليج، الأمر الذي ينذر بعواقب لا تحمد عقباها لدول المجلس مع ملاحظة أن هيبة النظم والخوف من سطوة الحاكم المتشدد تتهاوى يوما بعد يوم.

 

 في ظل هذه الظروف تأتي دعوة الملك عبد الله آل سعود إلى قيام اتحاد يضم دول مجلس التعاون بعد أن فشل مشروع توسعة العضوية ليشمل الأردن على الأقل فهل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية مواتية، أزعم بأن الظروف لقيام أي اتحاد في الخليج غير مواتية ولكي نجعلها مواتية فلا بد من حل الكثير من الأمور العالقة قبل قيام أي اتحاد أهمها عندي مسألة المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات فلا تمييز طائفي أو قبلي أو أسري، قبل قيام أي نوع من أنواع الاتحادات في المنطقة، فلا بد من حل الأزمة السياسية في البحرين العالقة بين النظام الحاكم والشعب على أسس العدالة والمساواة بين الناس. إن تجاهل تلك المسألة تحت أي مبرر سيؤدي إلى انهيار أي اتحاد بين البحرين وجواره السعودي كما تشير وسائل الإعلام الخليجية وتصريحات المسؤولين في البحرين بل سيؤدي إلى تصعيد المواجهة بين الشعب والحكومة الاتحادية كما سيؤدي إلى انتشار النزعة الطائفية إلى دول الجوار الخليجي. إن أي اتحاد في الخليج لا يحظى بإجماع شعبي عبر استفتاء نزيه وشفاف سيؤدي إلى أزمات يستعصي حلها. ولنكن أكثر صراحة وصدقا إن دخول بعض قوات درع الجزيرة إلى البحرين لمواجهة الحراك الشعبي ولو حتى تحت ذريعة حماية المؤسسات السيادية والاقتصادية عمق جذور الكراهية وزاد مسافة البعد بين شعب البحرين وبعض دول مجلس التعاون التي شاركت قواتها في تلك المواجهة.

 

شعب البحرين يملك تجربة حزبية سياسية تغوص في أعماق تاريخ البحرين، هناك دستور مكتوب والخلاف الآن قائم حول تفعيل دستور 1970 دون تعديل، هناك برلمان منتخب ولو أنه في الجانب الآخر مجلس شورى موازٍ للبرلمان له قوة البرلمان ولكن الجدل في البحرين يدور حول تفعيل دور السلطة التشريعية، هناك مؤسسات مجتمع مدني نشطة وفعالة واعتراف ضمنا بالتعددية المذهبية والدينية، هناك مواطنون يهود ومسيحيون ومسلمون، هناك حرية شخصية وسياسية لن يقبل شعب البحرين أن تمس تحت أي ذريعة كانت.

 

يظهر أن حكومة البحرين هي الأكثر اندفاعا نحو فكرة الاتحاد مع دولة واحدة أو أكثر لأنها تشعر بأنها في مأزق سياسي بينها وبين شعب البحرين الشقيق. من أجل صدق النوايا عند حكومة البحرين في رغبتها في الاتحاد ماذا يمنعها أن تستجيب لبعض مطالب الشعب الجوهرية وأهمها المساواة في الحقوق والواجبات والحقوق السياسية لتدخل الاتحاد وهي قوية في جبهتها الداخلية، أريد تذكير القيادة السياسية في البحرين بموقفها إبان محادثات الاتحاد التساعي في أواخر ستينيات القرن الماضي في شأن السلطات الاتحادية ومقر العاصمة والوحدة النقدية والتمثيل الشعبي في مؤسسات الدولة الاتحادية وغير ذلك. كانت البحرين في ذلك الزمان تملك جبهة داخلية موحدة ومترابطة أما اليوم فالأوضاع الداخلية مخيفة جدا.

 

 آخر القول: وحدة الجبهة الداخلية قي دول المنطقة أبدى من أي اتحاد. إن الهروب من الواقع المخيف لبعض دولنا إلى قيام اتحاد خليجي قبل حل الأزمات الداخلية في كل دولة على حدة أمر يؤدي إلى الفشل بل سيؤدي إلى تفاقم الأزمات، إننا مجتمع لا يتحمل الفشل في التجربة الاتحادية.. ففكروا ياحكامنا ولا تستعجلوا ففي العجلة الندامة. إن الحلول الأمنية حتى ولو كانت اتحادية لمواجهة الأعاصير السياسية في الخليج لن تكون مجدية، إن الشعب هو مصدر الأمن والاستقرار ولابد من إشراكه في صناعة مستقبله ومستقبل الوطن الخليجي.