الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 01:06 ص

مقالات وآراء

قوة المجتمع الألماني وضعفه

حجم الخط

 

قوة المجتمع الألماني في ثلاث، وضعفه في أربع، أما قوته فحب للعمل لا ينقطع. وإتقان للعمل يقترب من المثال: تأمل أشهر سياراتها، ليس الكل قادراً على دفع ثمنها ولكنه يعتز بصناعتها وأمثالها.

 

إنها ليست ظاهرة فرد ومصنع، فالإتقان وحب العمل دين كل فرد. وأخيراً مجتمع يعشق النظام ويعمل بروح جماعية مذكراً بمجتمع النحل والنمل. يضاف إلى كل ذلك التفاني في الانتماء للمجتمع، والاعتداد بالنفس، وحب الجمال في كل عمل وهو من مرادفات الإتقان. أما ضعفه فهي تاريخ نازي في عبء لا يزول في مرض كروموزومي. الخمرة ومعاقرتها. وتفكك الأسرة. وكراهية الأجانب إلى حد المرض، فأعظم كتاب بيع بمليون نسخة في ثلاثة أسابيع كان لـ(تيلو سارازين) بعنوان (يا ألمانيا لقد أودى بك الأجانب فاطردوهم). كل إنسان له نقاط قوة وضعف، وكل مجتمع له نقاط قوة وضعف. وعلى الأرض ثمة مجتمعات في الواجهة، وثمة مجتمعات في المؤخرة. والمؤشر الواضح لقوة مجتمع عن آخر هزيل هي مثل الصحة والمرض في الأبدان.

 

فالمجتمع القوي هو من يسيطر على المشكلات عنده، وعنده فائض من الواجبات، فهو يخطط للمستقبل بعد أن فرغ ذهنه من الحاضر، فهذه اسمها مجتمعات تنظر إلى المستقبل بوجوه ناضرة، وأخرى مجتمعات تئنّ من الفقر والمجاعات والحروب والديكتاتوريات كما هو في سورية. ذهبت إلى ألمانيا في 13 يناير من عام 1975م بعد أن ودعت بلاد البعث إلى يوم البعث كما فعل إبراهيم مع أرض النمرود فقال إني مهاجر إلى ربي.

 

وعدت إليها بعد فراق 17 سنة فوجدتها قد تراجعت إلى الخلف 17 مرة. وأكثر ما جال في ذهني حين رأيتها عام 1991م مثل عائلة بدأت بزوجين فقيرين في غرفة وسرير ومطبخ صغير فرجعت لأجد عائلة بـ17 نفراً، فمنهم من يعمل على نفسه ومنهم من يصيح فيضربه أخوه والأم تصيح والزوج يهوي عليها بالعصي، سرير منتوف، ستائر مهلهلة، ورفارف مبهدلة، سقف مدلى باب مخلوع وصرير. قلت في نفسي بعد أن رجعت من أرض الخضراء الجرمانية عجيب هذه الحياة كم يمكن أن تحلو، وكم يمكن أن يضربها سرطان الديكتاتورية فتصبح مثل فقر الدم المنجلي المزمن الذي يعيق كل نشاط وفعالية.

 

في نفسي أن أكتب سيرتي الذاتية إذا رجعت إلى نفسي فهدأت من رحمة غرف العمليات والنزوفات وطعان السكاكين وضرب الرصاص وحوادث الطرق فأهدأ في هجعة الليل فأكتب سطراً أو سطرين. لقد قرّرت إن أعانني الرب وأقدرني أن أكتب سيرتي الذاتية في ثلاثة أجزاء؛ واحد من ظلمات سورية، وثانٍ من الشمس الجرمانية المشرقة على العالم، والثالث رحلتي بين حمارة القيظ وصبارة القرّ بين كندا والسعودية.