الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 08:22 ص

مقالات وآراء

ردي على كارل ساغان..هل العلمانية هي الحل؟؟

حجم الخط

 

بدايةً لا يسعني سيد كارل إلا أن أشكرك على إتاحة هذه الفرصة الثمينة للنقاش ففي هذه الأجواء من تبادل الآراء المختلفة يمكن أن ننمو فكرياً ونراجع أنفسنا ونستفز للبحث عن إجابات للتحديات القائمة..

 

قبل أن أخوض في تفاصيل القضايا التي تناولتها يجب أن نحذر من تحول نقاشنا إلى جدل حول الألفاظ وأن نحافظ على إبقائه في دائرة المعاني وبعد أن نقرر المعاني فلا مشاحة في الاصطلاح ويمكن أن نتخير أي لفظ لوصف المعاني المقررة سواءً سميناها دولةً مدنيةً أو علمانيةً أو بطيخية..

 

أتفق معك برفض شكل الدولة الدينية بالمعنى الكهنوتي الذي رسمته وهو هيمنة رجال الدين على هذه الدولة ومصادرة أي آراء أخرى..

 

هذا الشكل من الدولة مارسه النظام البابوي وجر مآس مروعة على البشرية وحارب العلم والعلماء وهو الذي دفع بالمجتمعات الغربية إلى الكفر بالدين وجاءت العلمانية كرد فعل تاريخي على اضطهاد الكنيسة للعلم وللحياة المدنية..

 

مبادئ الإسلام ذاتها لا تحتمل هذا الشكل من أشكال الدولة لأن الإسلام بطبيعته مدني..ففي الإسلام لا يوجد طبقة كهنة ولا يوجد رجال دين ولا يحق لأحد أن يحتكر صلاحيات دينية فيدعي علاقةً خاصةً بالرب، ويمنح الناس تذاكر إلى الجنة أو إلى النار، بل إن الصلة بين أي فرد من الأفراد وخالقه هي صلة مباشرة، وربما يكون إنسان مغمور الذكر فقير أقرب إلى الله من كل رجال المؤسسات الدينية "رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره"..

 

لترسيخ هذه الطبيعة المدنية للدين نجد أن من خصائص الإسلام هو أن الأرض كلها مسجد لله "وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"..فحيثما حل الإنسان يستطيع أن يقيم صلاته وخطبة الجمعة في الإسلام هي في حقيقتها خطبة سياسية لمناقشة القضايا التي تهم المجتمع..

 

الإسلام لا يعطي العصمة لأحد فكل يؤخذ منه ويرد وبالتالي فلا يحق لأحد أن يزعم أنه يحتكر فهم الدين لنفسه..وكل نظرياتنا وممارساتنا نابعة عن فهمنا للدين وهو فهم يحتمل الصواب والخطأ وليست تعبيراً عن الدين ذاته..

 

النبي صلى الله عليه وسلم ذاته كان الصحابة يناقشونه فيتراجع في كثير من قراراته السياسية، للمثال لا للحصر أذكر تراجعه في غزوة بدر حين أشار عليه الحباب بن المنذر-وهو صحابي ليس في شهرة كبار الصحابة مثل أبي بكر وعمر-بأن يعسكر أمام الماء وليس وراءه، وفي غزوة أحد كان النبي يرى أن يظلوا في المدينة لكن كان للشباب رأي آخر وهو أن يخرجوا خارج المدينة لملاقاة قريش فما كان من النبي إلا أن امتثل لقرار الأغلبية رغم أن رأيه حسبما أشارت نتائج المعركة كان أصوب من آراء القائلين بالخروج، لكن هذا لم يدفعه إلى ممارسة الاستبداد والاستفراد في الرأي بعد ذلك بحجة أنه صاحب رؤية ثاقبة بل نزل القرآن في أعقاب مصابهم في أحد يأمره بالثبات على نهج الشورى "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر"

 

مثال ثالث من حصار المدينة أثناء غزوة الأحزاب فقد رأى النبي محمد رأياً سياسياً لتفتيت الجبهة المعادية..هذا الرأي هو أن يعطي اليهود ثلث ثمار المدينة حتى ينفك تحالفهم مع قريش..لكن الأنصار وهم أصحاب هذه الثمار رفضوا هذا الرأي وقالوا إننا لم نعطهم منه في الجاهلية، ولن نعطيهم منه في الإسلام فما كان من النبي إلا أن تراجع عن رأيه السياسي وامتثل لرأي أصحاب المال الذين هم أحق بالتصرف في أموالهم..

إذاً يتضح من هذه الأمثلة ومن عشرات الأمثلة الأخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يمارس الاستبداد الديني، ولم يكن يستغل مكانته ليقمع آراء معارضيه ويجبرهم على أن يروا رأيه، وأن الناس كانوا يعارضونه معارضةً سياسيةً دون أن يخشوا على أنفسهم أن يتهموا بأنهم يعارضون الدين ذاته، بل كان نموذجاً للشورى وللاستماع للرأي الآخر وكان يقول لأبي بكر وعمر "ما اجتمعتما على رأي إلا وافقتكما عليه" أو كما قال...

 

فإذا كان هذا هو حال النبي فما بالكم بمن هم في مرتبة دون مرتبة النبي

أما أن القوانين في هذه الدولة لا تبنى على العلم والمنطق والعدالة بل على تفسير النصوص القديمة فهذا ليس صحيحاً لأن تعاليم الإسلام في معظمها مبادئ عامة مثل العدل والشورى وعمل الصالحات وإعمار الأرض، والاستقامة الخلقية، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الظلم والإفساد في الأرض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الصيغ التطبيقية فهي متروكة للتطور البشري.

الإسلام لا يناقش التفاصيل والرسول صلى الله عليه وسلم يقول "أنتم أعلم بشئون دنياكم" بل يتوصل إليها البشر وفق العلم والتجربة. الدين الإسلامي ليس من صلاحياته مناقشة تفاصيل اختراع السيارات والطائرات وإشارات المرور، وليس من صلاحياته وضع تصورات تفصيلية لأشكال الحكم مثل مكونات الأنظمة السياسية من برلمانات ووزارات وغيرها، بل هو يأمر بالعدل وأي صيغة تكون قادرةً على تحقيق أكبر قدر من العدل فهي المطلوبة إسلامياً، وللتوصل إلى هذه الصيغ التي تعطي ضمانات أكبر لإقامة العدل فإن هذا لا يكون بالعودة للنصوص القديمة بل يكون بدراسة التجارب البشرية الحديثة واكتشاف مواطن قوتها ومواطن قصورها والعمل على تطويرها وفق المبادئ العامة للإسلام..

 

لا يوجد تمييز بين مواطني الدولة التي يرضى بها الإسلام على أساس ديني أو عرقي، بالنسبة للأساس العرقي تعاليم القرآن واضحة في رفض أي تقسيم على هذا الأساس "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، أما بالنسبة للأساس الديني فإن العدل الذي يدعو إليه القرآن هو عدل للجميع وعلى الجميع وليس خاصاً بالمسلمين..

 

القرآن يأمر نبيه بأن يخاطب أهل الكتاب بالقول "وأمرت لأعدل بينكم"، وفي آية أخرى "أن احكم بين الناس بالعدل"، وفي آية ثالثة "ليقوم الناس بالقسط"، وفي آية رابعة "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"..لاحظ الحضور القوي للفظة "الناس في كل هذه الآيات التي تتحدث عن العدل حتى لا يتسلل شك بأن المسلمين وحدهم المقصودون بالعدل، ومن مفاخر ديننا أن نحو عشر آيات بينات نزلت في سورة النساء لتنتصر ليهودي في مجتمع المدينة وتبرئه من تهمة السرقة التي ألصقها به أحد أفراد المجتمع المسلم، ولتعاتب النبي لأنه صدق التهمة ضد اليهودي "ومن يقترف خطيئةً أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً"..

 

أعترف لك بأن واقع المسلمين بعيد عن هذه المعاني الإنسانية الراقية، لكنها مشكلة المسلمين ببشريتهم وليست مشكلة مبادئ الدين السامية..ومهمتنا في ضوء هذه المبادئ أن نبحث عن صيغ تطبيقية معاصرة تستفيد من تجارب البشر وتهتدي بهدي القرآن حتى لا يظل حديثنا عن فضائل الإسلام حديثاً تبريرياً لواقع لا يمكن تبريره..

 

الدولة التي ندعو إليها هي دولة يتمتع مواطنوها بحرية تامة في الاعتقاد والفكر، وهذه الحرية هي من الأسس الراسخة في الإسلام، وأكثر من مائتي آية تتحدث عن حرية الاعتقاد بما في ذلك حرية الكفر "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، "لا إكراه في الدين"، وما أنت عليهم بجبار"، "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، مع أن الكفر في حقيقة معناه ليس فكراً أو قناعةً عقليةً، بل هو تجاهل وإنكار لحقيقة قامت عليها الأدلة في نفس صاحبها..فإذا كان الإنسان حراً أن يكفر وهو يعلم الحق، فإن من باب أولى حين يتوصل الإنسان لرأي ويظن أنه الحق أن يعبر عنه، ومن حق من يظنون أنهم أصحاب الحق أن يردوا عليه بالحجة والبرهان دون ممارسة إرهاب فكري ضده..

 

صحيح أن هناك حداً يعرف بحد الردة يستند إلى بضعة أحاديث قيلت في ظروف اجتماعية وسياسية وثقافية معينة، ولا يزال غالبية الفقهاء التقليديين يعتنقونه، لكن هذا الحد يبدو معزولاً عن التوجه العام للقرآن التي يبرز فيها بشكل مكثف الدعوة لحرية العقيدة، وهناك من العلماء المحققين من أثبت من الآيات والأحاديث أن حد الردة ليس صالحاً للتطبيق في هذا الزمان، وأن السياق الذي جاء فيه كان يقرنه دائماً بمفارقة الجماعة "التارك لدينه المفارق للجماعة"..أي أنه كان يشبه في زمن النبي ما يعرف حالياً بالخيانة العظمى، ونفس التفسير يمكن أن نفهم فيه محاربة أبي بكر الصديق للمرتدين فهو كرئيس دولة كان يواجه حركة تمرد جماعية ضد الدولة، وليس أفراداً.

 

أما بالنسبة لقولك "أي نظرية علمية جديدة ستنتظر موافقة من الزعماء الدينيين. أي اختراع جديد سينتظر إقراره من مجلس المفتين. أي كتاب جديد سينتظر إقراراً من الرقابة الدينية. فرض الرقابة على الانترنت والتلفاز والمذياع والصحف وكل وسائل الإعلام" فهو مردود عليه أيضاً لأن البحث العلمي ليس من اختصاص من أسميتهم الزعماء الدينيين، بل هو من اختصاص الخبراء كل في ميدانه، وما يثبته العلم فهو الحق، وما يسقطه فهو الباطل، والعلاقة بين العلم والدين علاقة تكاملية لا تصادمية، لأن القرآن هو كتاب الله المسطور، والكون هو كتابه المنظور ويستحيل أن يتناقضا..يمكن للعلم أن يتصادم مع أفكارنا التي ألبسناها لباساً تقديسياً عبر التاريخ حتى ظنناها من عند الله وما هي من عند الله، لكن النواة الصلبة للقرآن لا يمكن إلا أن يكون العلم مصدقاً لها، وحين يبرز خلاف بين العلم والدين، فإن الحل لا يكون برفض نتائج العلم أو فرض وصاية عليه، بل يكون بمراجعة منظومتنا الثقافية للتفريق بين ما هو دين وما هي ثقافة تراكمت عبر العصور حتى التصقت بالدين، كما يكون الحل بمزيد من البحث العلمي، لأن ما لا يحله العلم سيحله المزيد من العلم "وقل رب زدني علماً"...

 

لست مع الرقابة الدينية بالمعنى الذي تقدمه..يمكن أن تكون الرقابة متفهمةً في حدودها الدنيا لحماية مجتمعاتنا من الفضائيات والمواقع التي تروج للرذيلة وتنشر الإباحية، وما ينتج عن ذلك من أضرار اجتماعية وخيمة تتمثل في انحراف أبنائنا وبناتنا وتبديد طاقاتهم في اتجاهات خاطئة بدل استثمارها في التنمية والنهضة..لكن فيما يتعلق بالأفكار فإن طبيعة عصر الفضاءات المفتوحة الذي نعيش فيه تفرض علينا أن نراهن على الحوار أكثر من المراهنة على إسكات الخصوم..

 

يمكن للمرأة أن تمارس دورها الاجتماعي المتميز مثلها مثل الرجل فالنساء هن شقائق الرجال دون أن يكون لباسها عائقاً أمام هذا الدور..فهل سيحد الحجاب مثلاً من ذكاء المرأة أو قدرتها على الحركة؟؟ يمكن للمرأة أن تكون طبيبةً ومهندسةً ومدرسةً وصحفيةً وسياسيةً، بل يمكن أن تكون مديرة أعمال أيضاً كما كانت خديجة رضي الله عنها التي كان النبي يتاجر لها بأموالها، والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ برأي زوجته أم سلمة في صلح الحديبية في واحدة من أكثر المواقف السياسية صعوبةً وكان رأيها سبباً في منع فتنة عظيمة..

 

الحجاب لا يعيق دور المرأة النهضوي بل إن هذا الحجاب يشكل إطاراً أخلاقياً يكف فيه الرجل عن النظر إلى المرأة نظرةً جنسيةً وحسب بل تصبح هذه المرأة إنساناً كامل الإنسانية تساهم معه في بناء المجتمع "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"..

 

الدولة التي يدعو إليها الإسلام ليست هي الدولة التي تستنفد مواردها وجهودها على مراقبة كل خطوة لكل مواطن لضمان التزامه بالصلوات والصيام والزي والتعاليم..فوظيفة الدولة الأساسية هي تأمين حياة كريمة لمواطنيها وإقامة العدل بينهم "ليقوم الناس بالقسط"، "ياداود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالعدل"..حتى حين يتطرق القرآن إلى الجوانب الشعائرية في وظيفة الدولة مثل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فإنه يربطها ببعدها الاجتماعي "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر"..الصلاة هي التي تعطي صاحبها شحنةً روحيةً تعينه على أداء رسالته الاجتماعية في الحياة، والزكاة هي النظام الذي يحقق العدالة الاجتماعية، والمعروف هو كلمة جامعة لكل معاني الخير فالدعوة من على منبر البرلمان بإقرار قوانين تحقق العدل للمجتمع وتكافح الفساد هو أمر بالمعروف، وكذلك المنكر فهو كلمة جامعة لكل معاني الشر..

يقول الإمام ابن قيم الجوزية "حيثما كان العدل فثم شرع الله"، فالدولة التي يرتضيها الإسلام هي الدولة التي تحقق أكبر قدر من العدل والمساواة الاجتماعية لمواطنيها وللإنسانية جمعاء، وليست تلك التي تشغل نفسها بالقضايا الفرعية والمظاهر الشكلية..

أتفق معك ياكارل بأن الدول العربية وتلك التي تسمي نفسها بأنها دول إسلامية هي دول فاشلة لكن هذا الفشل هو نتاج ظروف اجتماعية وثقافية وتاريخية ولا يمكن أن يكون تعبيراً عن عدالة الإسلام، وأستدرك بعد ما فصلته أعلاه بأنه لا يزال ينقصنا تحويل هذه المعاني السامية إلى صيغ تطبيقية حتى يكون بإمكاننا إقناع الناس بها..

 

إذا كانت الدولة العلمانية التي ترى أن الحل فيها هي تلك الدولة التي تحقق العدالة وسيادة القانون لجميع مواطنيها، ولا تدعي أنها ممثل للدين، وتعطي الجميع فرصاً متساويةً للتعبير عن آرائهم فلا أرى فيها مشكلةً كذلك، وإن كان المصطلح ذاته يسبب حساسيةً للمسلمين لما ارتبط به من دلالات سلبية، ويمكن أن يحل محله مصطلح الدولة المدنية، لكن حتى في ظل هذه الدولة العلمانية فإن الارتباط القوي للشعوب العربية بالدين سيعبر عن نفسه حتماً في شكل الحكم وطبيعة القرارات الصادرة عن الجهات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وليس لنا أن نلوم الشعوب على ذلك، فالديمقراطية ليست إلا أن تحكم الشعوب نفسها بما تراه من صيغ متوافقة مع ثقافتها وأفكارها، وليس من الديمقراطية أن نجبر الشعوب العربية على اعتناق قوالب جاهزة مستوردة من الغرب، فما يصلح للغرب ليس بالضرورة أن يصلح بحرفيته للشرق..

والله أعلم..