لقد كان وما زال مجتمع الفضيلة أو المجتمع المثالي utopiaهو حلم النفس البشرية السوية منذ بدء الخليقة، فقد جاء الأنبياء جميعا للنهوض بالبشر وتخليصهم من نوازع السوء ليتمكّنوا من عبادة خالقهم والتعايش مع بعضهم ضمن إطار منظّم يتفقون عليه، ومن المجتمعات من وجدت ضالتها في الدين فجعلت من نصوصه شريعة لتسيير حياة المجتمع والناس، ومنها من كانت له علاقة إشكالية وصلت إلى حدّ القطيعة مع الدين في أوروبا واستبداله بالنظم المدنية civil law، وذلك بعد أن أخطأ الكهنوت وأساؤوا استخدام سلطاتهم في تفسير وتطبيق النص المقدس، فكانت النتيجة استحداث العلمانية secularismوحصر الدين في المعابد كخيار شخصي يمكن الأخذ به أو إهماله!
ولقد عرفت البشرية شرقا وغربا كثيرا من المنظّرين في فلسفة الفضيلة وأشهرهم أفلاطون، وكان للعرب منظّروهم كالفارابي وابن خلدون، كما وعاش العرب مجتمع الفضيلة حقيقة واقعة في المجتمع النبوي وعهود الخلافات الراشدة، وليس معنى ذلك أنّ هذه المجتمعات كانت ملائكية منزّهة عن العيوب بنسبة 100 بالمئة، ولكنها مجتمعات غلب خيرها على شرها ومصلحوها على مفسديها، وحكمها قانون ينطبق على القوي قبل الضعيف.
غير أنّ الدولة الفاضلة ومن أشكالها الدولة الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان أصبحت حلما بعيد المنال في السياق العربي الذي وقع سنوات طويلة في شرك الملك العضود والقسري والوراثي الذي ذمّه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه كشكل من أشكال الحكم الفاسد إلى أن تعود الشعوب إلى رشدها، فيعود الحكم لينتظم على منهج الله وسنة رسوله، ولم يستطع العرب الفكاك من هذا الحكم في بعض دولهم إلاّ بتضحيات كبيرة وجهود جبّارة، بل إنّ هذا الحكم قد استوطن في نفوس بعض الشعوب حتى أحبّت وتعايشت مع ذلّتها ورضيت بقسمة ضيزى يرى فيها الحاكم لنفسه ما لا يراه لشعبه، وزيّنت خنوعها بأسماء الولاء والإخلاص، مع أنّ الولاء الحقيقي فوق البشر ولا يكون إلاّ لله.
لقد وضع المهاتما غاندي من خبرته وخبرة شعبه في التعامل مع الاستعمار، وينطبق على الاستعمار الخارجي الاستبداد المحلي من ذوي السلطان، سبع مخاطر تستهدف الفضيلة في نفس الإنسان وتحول دون قيام المجتمع الإنساني المميز، ولو قسنا هذه المعايير لوجدناها للأسف مستشرية في دولنا وبين شعوبنا، وهي ما يحول حقا دون التغيير، فالبشر هم مادة وشرارة ووقود الإصلاح وبدونهم لن يكون هناك نهضة ولا تحسين، أمّا المعيار الأول للفساد وانتفاء الفضيلة عند غاندي فهو: الإثراء دون عمل أو جهد، والثاني: تحصيل المتعة دون ضمير، والثالث: تحصيل العلم دون مؤهلات شخصية، والرابع: العمل دون أخلاق، والخامس: الاكتشاف والاختراع دون قلب يحمي صاحبه من تضخُّم الأنا، والسادس: التديُّن من غير ممارسة وتضحية، والسابع: ممارسة السياسة من غير مبادئ!
في مجتمعاتنا الكثير من المصلحين، ولكن بهذه المعايير لدينا أيضا الكثير من الفساد والخبث الظاهر على السطح والمتحكّم بحياة البشر.
إنّ معايير الفضيلة كما هي سنن الله تنطبق على الجميع، المسلم والكافر، بل إنّ الكافر لو أخذها بقوة وعزيمة يستحق نصر الله وتوفيقه أكثر من المسلم الظالم المفرط.
إنّ عمارة النفس الإنسانية هي الخطوة الأولى في عمارة الأرض، وليس معنى ذلك أن نتناسى أهمية الحكم في إقامة المجتمع الفاضل، فالله يزع ويثبت بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولكنهما خطان متوازيان، وصلاح القاعدة البشرية صلاحٌ لرأس الهرم، فالحاكم بشر وهو إفراز من مجتمعه، إن صلح فقد صلح من قبله لأن من ورائه شعبا كان يقول له: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، وإن فسد فلأن من ورائه من يقولون له: اعمل ما شئت فإنّك فوق المساءلة.
الشعب هم أساس الحكم صلاحا أو فسادا، وما لم يتغيّروا فإنّ الإصلاح جعجعة فارغة لا طحن فيها، وأرض بور لن تنبت ثمرا.


