الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 07:43 م

مقالات وآراء

السرطان السوري

حجم الخط

كانت الثورة التونسية نزهة. وكانت الثورة المصرية ذهابا لعيد الفسيخ حيث يأكلون السمك المالح. وكانت الثورة اليمنية صبرا ومثابرة. وكانت الثورة الليبية نصرة بيد أوروبا. أما الثورة السورية فهي حرب عالمية يقرر مصيرها طهران وموسكو وبكين مع بيدق لبنان الإيراني نصر الله.

 

وفي عالم الطب يمكن استعارة نموذج الاحتلال الخارجي والاستبداد الداخلي مثل الفرق بين التهاب الجلد الخارجي وسرطان المعدة الداخلي. الأول حاد الظهور وواضح النهاية مؤلم محمر منتبج مزعج وعلاجه سهل. أما السرطان فهو خفي الأعراض غامض البدء غير مؤلم فإذا كشف وقد انتشر اقترب من الاستحالة في العلاج.

 

أذكر جيدا أبو محمد الذي أصيب بورم قتاميني في يده فانتبهت له أخته التي تلم ببعض المعلومات الطبية فأخذته من فوره لجراح فقام باستئصال الورم فنجا الرجل وما زال على قيد الحياة. هذه الفرصة كانت كذلك للشعب السوري عام 1963 م مع انقلاب البعث العبثي المشؤوم الذي نما بأفظع من شجرة الزقوم طلعها كأنه رؤوس الشياطين.

 

وهذه هي الحكمة العربية القديمة أن درهم وقاية مثل دراخما اليونان القديمة الرخيصة فهو خير من قنطار من اليورو ورأينا ذلك في الحريق اليوناني وهو يعالج بـ 110 مليار يورو بدون ضمانة حتى في انهيار الاتحاد الأوربي برمته من وراء الحريق اليوناني فيلتهم بناره مفاصل الاتحاد حتى بون وباريس.

 

لو نزل الشعب السوري في تلك الأيام النحسات وقتل منه مائة ومائتان لكان أجهض الانقلاب إلى غير رجعة ونجت الأجيال من الدمار الذي يدفعه الأحفاد هذه الأيام. يقول المثل العربي أيضا إن الأحفاد يضرسون الحامض حين لا يحسن الأجداد زراعة العنب الجيد.

 

نعم أن ما يتمّ حاليا في سوريا في ربيع عام 2012م بعد سنة من أنهار من الدماء هي عملية جراحية كبيرة مثل استئصال سرطان واسع الانتشار في ظلال حرب عالمية يشنها الكبار من خلال الصغار ويدفع ثمنها الشعب السوري.

إن التاريخ مصبوغ بالدم والبشر يدفعون بأقدامهم بكدح فوق جسر من المعاناة على نهر من دموع الأحزان.