الأربعاء 28 يناير 2026 الساعة 07:14 م

مقالات وآراء

تركوا الإصلاح ليدافعوا عن الشذوذ

حجم الخط

 

- وماذا عن تعاملكم مع حريات الأقليات؟

- الأقليات الدينية والعرقية كاملة المواطنة والحقوق في الأردن، وفوق ذلك فإنّ حسن التعامل بين الجيران والزملاء هو النمط السائد، ونادرا ما نسمع عن حوادث طائفية بين المسلمين وأخوانهم المسيحيين كما يحدث في البلدان الأخرى.

-لا أقصد حريات هذه الأقليات، فهذه أعرف أنّ وضعها مستقر في الأردن.

-عن أيّ حريات تسأل إذاً؟!

-عن الحريات الجنسية والأقليات.

وكادت تتعطل لغة الكلام بيننا وينعقد لساني، فعندما يسأل رئيس وفد مجلس العموم البريطاني إلى الأردن، وهو نائب لعشرين سنة خلت، بل ويدافع باستماتة عمّن يسمّيهم الأقليات الجنسية sexual minoritiesويترك الأولويات الإصلاحية التي يجب أن تتوجه إليها أنظار بريطانيا العظمى، الدولة ذات التاريخ الديمقراطي العريق، فهذا مما يستحق التعجب والاستغراب!

 

-         على فكرة أنا لست شاذا، ولكنّي أتقبّلهم وأدافع عن حقوقهم، لذا أحاول معرفة موقف الإسلاميين منهم في حال تسلّمهم السلطة.

-          

كان الجواب السريع له أنّ الاعتراف بهم والاعتراف ب"إسرائيل" في سلة واحدة من المرفوضات المقدسة التي لا يمكن قبولها، ولو مُلّكنا العالم، فالمبادىء ليست عرضة للبيع في سوق الحكم والسلطة، والشعب الذي ينتخب الإسلاميين للقيادة يعلم موقفهم من هذه القضايا ويتبنّاها، بل هي محل إجماع شعبي.

- كيف إذاً ستتعاملون معهم؟!

 

- كالمرضى الذين يحتاجون علاجا نفسيا وجسديا وتأهيليا.

- ولكنكم بذلك تتعدّون على حقهم في اختيار جنسهم!

فأجبته أنّ نظرتنا أنّ جنس المرء ليس خياره الشخصي، بل هو خلق الله وهبته وما ينبني عليه من صفات بيولوجية وأدوار اجتماعية تنظر للأنثى كامرأة وزوجة وأم، وللذكر كرجل وزوج وأب، دون وجود جنس ثالث بينهما.

-         فكرك هذا يعتبر إساءة في الغرب!

-          

فأجبته: ولماذا تظن أنّكم الأصل في وضع المعايير الإنسانية وما هو مقبول وما هو مرفوض، بل وتريدون تطبيق هذه المعايير علينا ومن يستجيب فهو المتطور الذي يستحق الدعم، ومن يرفض فهو المتخلف الذي يستوجب التضييق عليه والحيلولة دون وصوله للسلطة؟! ولماذا لا نتحاور في الأمور التي نتفق عليها لمصلحة الإنسانية جمعاء ونتقبّل اختلافاتنا الحضارية والدينية وهوياتنا المميزة دون محاولة التغيير أو الاستبعاد؟!

 

وهذا يجعلنا نتساءل: أليس غريبا أنّ معظم الحوارات بين الغرب والإسلاميين تجعل من هذه القضية نقطة محورية وهامة، بينما الأصل التركيز على الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومحاربة الفساد الذي ضرب أطنابه في كل دولنا العربية؟!

 

ولماذا يتحدث الغرب بلسان الشيطان ويحامي عنه the devil’s advocate، على حد تعبير إحدى النواب السيدات من الوفد، ويتبنّى هذه القضية وكأنّ العالم العربي والإنسان العربي لم يبق لديه هم ولا مشكلة سوى حقوق الشواذ؟!

 

وماذا عن حقوق البشر الطبيعيين في الحياة الكريمة والحرة والآمنة؟ هل ينسون كل هؤلاء ويركزون على شرذمة لا يمكن حتى أن توصف بالأقلية، وهي مرفوضة من عامة الشعب الذي يرى فيها خروجا مستهجنا عن الفطرة البشرية؟!

 

ما زال الحوار مع الغرب يجري ضمن المنظومة الاستعمارية وبنفس الأخ الأكبر big brotherالذي يأتي إلى الشرق المتخلّف كالمخلِّص savior, redeemerبمهمة التحضير civilizing mission، فمن مشى على طريقهم استحق التقريب والدعم والمساعدات، ومن اختار البقاء على هديه واستقام على طريقته فذلك له طرق أخرى في التعامل، ليس أقلها التضييق السياسي وتشويه الصورة.

الحوار مطلوب مع الغرب كأيّ كتلة بشرية سياسية لها وزنها، والانفتاح على التيارات المختلفة كذلك مطلوب على أن لا يكون الإسلاميون هم الطرف الخاسر من مبادئهم ولا يرضون الدنية في دينهم.

 

الحوار مطلوب على قاعدة الكفاءة والمساواة، وليس التعالي والتفوق وفرض الأجندات من قبل الغربي على العربي الأقل حظا في نظرهم، فربما نكون أقل حظا في السياسة والتكنولوجيا وعالم المال والأعمال، ولكن على مستوى الحضارة البشرية والقيم الإنسانية فما زلنا برغم انتكاساتنا عن إرث أجدادنا الأقدر على قيادة البشرية أخلاقيا، وهذا ما شهد به المؤرخ باكتول حين قال: "إنّ المسلمين يمكن أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها بها سابقا، بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها حين قاموا بدورهم الأول، لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم ونبل أخلاقهم".