مدخل:
تجري الانتخابات في العالم ليقول الشعب كلمته، فماذا يقول يكن رجع الصدى ما يقول، فإذا قال نعم كانت النتيجة نعم. وفي العالم العربي تجري الانتخابات لتقول الأنظمة كلمتها من خلال تزييف الوعي وتزييف الإرادة، فإذا قال الشعب لا صارت لاؤه "نعم" بملء الفم.
الانتخابات شكلية والمجالس صورية، وعدّ الأصوات تمثيلية، ولعبة اليمين واليسار مسرحية، وكله مرتبط بالجهات الخارجية. وأخيراً اكتشفنا أنّ أمريكا تموّل جمعيات أهلية من أجل نشر الديمقراطية، أيّ التمكين لرجال أمريكا من خلال ضخ الملايين!
وعندما اعتقلوا وحوكموا وهتف الجنزوري بملء حنجرته: لن نركع، إذ بالأمريكان يتسرّبون ويتحدّثون من بلادهم، وعادت المعونات إلى مصر.
واقع الحال بئيس إلى أبعد الحدود، وحتى بعد الثورة يجري التلاعب بها وحرف مسارها وإلهاؤها بمشكلات شكلية غير المشكلات الحقيقية، والإعلام هو الإعلام، وصناعة وتضليل الرأي العام تمشي على ما يرام، وكل انتخابات وأنتم في ديمقراطية ديكورية!
يقول هيكل: ومرّت سنة 84، والرئيس مبارك يدخل إلى سنته الثالثة (سنة ثالثة حكم)، وبرغم كل شيء فقد بدا رجلاً يستطيع أن يتأقلم، بما يبدد شكوكاً كثيرة تصورت أنّ مرحلة حكمه مجرد تدبير مؤقت، والآن فقد ظهر أنّ الرجل خطا خطوة، من رجل جاء به تدبير سريع لمواجهة ظرف طارئ إلى رجل يعبر مرحلة انتقالية، من عصر إلى عصر.
وكان الرأي الغالب في مصر وخارجها أنّ اختبار قوة وثبات النظام الجديد هو إدارة معركة انتخابات برلمانية حل موعدها، وتصوّر كثيرون أنّها سوف تكون تحدياً سياسياً من نوع ما يواجهه الرئيس الجديد، وأنّ متابعتها سوف تكشف الكثير عن قدرته السياسية.
واكتشفت من نتائج الانتخابات أنّ مبارك قد واجه تحديه المنتظر بأسلوب لا شك أنّه مبتكر، بصرف النظر عن أيّ "أحكام قيمة"، والغريب أنّه كان أسلوباً شديد البساطة شديد التعقيد في نفس اللحظة.
وفي الحقيقة فإنّ هذا الأسلوب كان تأسيساً لمدرسة مختلفة تسرّبت إلى السياسة المصرية، ومن حسن الحظ أنّه كان أمامي مصدران للتعرف على مدرسة مبارك عندما تدخل إلى التطبيق العملي لسياساتها، أيّ في الحركة عند التنفيذ!
1- اللواء حسن أبو باشا وزير الداخلية، وهو المسؤول الذي أشرف على المعركة الانتخابية الأولى في عهد مبارك، وحسن ضابط بوليس معظم تجربته في الأمن السياسي.
2- مجموعة كراسات كان يكتبها اللواء محمد تعلب مساعد وزير الداخلية (حسن أبو باشا). وطبقاً لرواية أبو باشا يؤيده ما سجّله اللواء "تعلب" من يوميات المعركة الانتخابية أنّ مبارك عقد مع وزير داخليته جلسة تمهيدية شرح له فيها ما يتصوّره لانتخابات مجلس الشعب الجديد:
1- الرئيس يرى أن تكون الانتخابات وهي الأولى في عهده مفتوحة لكل من يريد أن يترشّح بحريته!
2- الرئيس بضرورات السلامة الوطنية كما يراها سوف يحدد نسبة مئوية لما يمكن أن تفوز به المعارضة من مقاعد مجلس الشعب.
3- الرئيس لديه قائمة أسماء لا يريد لأصحابها أن يدخلوا المجلس الجديد. وفي رواية أبو باشا، فإنّ قواعد اللعبة يمكن تبريرها بأنّها "توازن" النتائج لا "تزيفها". وفي اللقاء التالي سمع أبو باشا من مبارك ما "أفزعه" حسب قوله:
1- الرئيس على استعداد لأن يترك للمعارضة 5 بالمئة، أيّ حوالي عشرين مقعداً لكل الأحزاب وقوى المعارضة مجتمعة.
2- إنّ قائمة غير المرغوب فيهم أكبر مما توقّع، وكانت دهشته أنّ الاسم الأول فيها اسم شقيق الرئيس، السيد سامي مبارك. وتصوّر أبو باشا أنّ الصيغة المباركية قابلة للنقاش، فعرض تعديلات:
1- يتفضّل الرئيس بمراجعة النسبة، وأن يرفعها من 5 بالمئة إلى 20 بالمئة، أيّ حوالي مئة مقعد، وهذا لا يؤثّر على أغلبية الثلثين في المجلس.
2- يختصر الرئيس قائمة الممنوعين وأولهم سامي شقيقه. وفوجئ أبو باشا بمبارك وقد علا صوته واحتدت نبرته وهو يقول: سامي مش ح يدخل! وقال الوزير: ولكن سامي قادر على النجاح. فقال الرئيس: حسن، أنت ضغطت على أعصابي أكثر من اللازم ولست الآن في mood يسمح لي بمواصلة الكلام معك، ثم نهض واقفاً ينهي المقابلة ويخرج، وترك وزير داخليته يبحث عن الباب!
وقال وزير الداخلية لمساعده "تعلب": "تعرف يا تعلب، العلاج الوحيد للوضع ده إنّي أموت!"
وطلب وزير الداخلية مقابلة مبارك قبل الانتخابات بعدة أيام، فردّ أنّه ليس في mood يسمح له بمقابلة أحد، موعدنا بعد الانتخابات يا حسن. وبعد الانتخابات كان موعدنا هو الخروج من الوزارة!
وكانت المفاجأة كما في دفاتر تعلب أنّ سامي حصل على 70 في المئة من الأصوات، فأرسل الرئيس أسامة الباز وطلب إعادة فرز الأصوات، وعاد أسامة ليهدئ خاطر مبارك، إلاّ أنّهم أمام أمر واقع، فقال مبارك: أبو باشا سوف يدفع ثمن غلطته وخرج أبو باشا من وزارة الداخلية.
يقول هيكل: وبعد شهور طلب سامي مقابلتي، فلفت مبارك نظره إلى أنّ الغرفة قد لا تكون مأمونة، فقال أنّه لا يبالي إذا سمع حسني لأنه سيترك له البلد ويسافر إلى ألمانيا، واستطرد سامي إلى حديث طويل عن علاقات عائلية مزدحمة بالعقد الغائرة والظاهرة، وكان معبّأ بالمرارة، وكله مما لا يصح الخوض فيه. (قال لي بعض المتابعين للمواقع في هذا اليوم الذي أكتب فيه هذه الكلمات عن هيكل أنّ أم حسني رفعت عليه قضية وهو قائد سلاح الجو تطلب نفقة، فَجَرت تسوية أن يدفع لها كل شهر جنيه وشوية فكة، فعلقتُ وقلت: من لا خير فيه لأمه، لا خير فيه للأمة!)
أحببت أن أخصص هذه الصفحات عن الانتخابات لأنها صورة طبق الأصل عن كل الانتخابات في كل البلاد العربية.
وهنا أود أن أضيف بعض النقاط تعقيباً على ما سجّله هيكل من أحوال الانتخابات:
1- ليس ما صنعه مبارك سياسة جديدة كما قال الأستاذ الكبير هيكل، فالسادات زوّر قطعاً، وأنا لست أناقش تفصيلات ما اقترحه مبارك، لكن مبدأ التزوير من العهود كلها سمة بارزة، حتى زمن عبد الناصر.
2- سكوت أمريكا، وهي عليمة مطّلعة عارفة خبيرة، ولكن أغلاط العملاء مغفورة وعيوبهم مستورة، وتزويرهم حق.
3- الإعلام المصري الذي ما انقطعت عن متابعته طيلة العهود السابقة، وكان يصوّر عهد مبارك ولا العهد الفيكتوري..ديمقراطية وشفافية! وهو أظلم العقود والعهود.
4- العلمانيون العرب والليبراليون ومن لف تبغهم وتمباكهم ولف لفيفهم وحف حفيفهم وزف زفيفهم ورف رفيفهم، أقول لم نسمع له ركزاً لأنهم هم المستفيدون من عهد مبارك، فلما جاء المسلمون، على ضعف الأداء، علت أصواتهم وتشنّجوا وتورّمت أنوفهم واحمرّت أحداقهم وتقرّحت جفونهم وفحّوا وبحّوا ونبحوا..علام؟!
لما كان التزوير يخدمهم لم ينبسوا ببنت شفة، ولمّا جاءت الانتخابات النزيهة وجرت الرياح بما لا تشتهي سفنهم، وتعرّوا بحجمهم الحقيقي (على رأي الأستاذ "فهمي فاهم" عندنا عندما يعلق عندما ينجح بعض الإسلاميين هنا كان يقول، وهو العليم، هذا حجمهم الحقيقي!) قالوا يعلّقون: هذه انتخابات غير عادلة وغير حقيقية.
5- تعليق عملاء أمريكا الذين جاؤوا بعد صدام في العراق: لأول مرة يكون في العراق عملية سياسية وانتخابات ديمقراطية! وكل انتخابات عربية هي انتخابات مباركية كارثية، وكل وزراء الداخلية "سولاغ" (الإيراني) وأبو باشا وزكي بدر. ولو علمت أمريكا أنّ الانتخابات في العراق صحيحة ونزيهة ما أجرتها أصلاً.
وأخيراً، حتى ترسو دعائم حياة سياسية وديمقراطية حقيقية لا بد من وعي وجهد وتضحية وتغيير حقيقي في الثقافة والعقلية.
لا بد أن يعود للشعب وزنه وحجمه وقوته وللشارع حيويته، وللوطن عافيته، وللإعلام نزاهته وصراحته ورقابته وشفافيته، عند ذاك نطمئن أنّه إذا جرت انتخابات لا تُحَدَد النسب سلفاً في مطابخ القرار.
