1- مدخل.
بعد أن خصّصنا خمس حلقات للأسد في شعر ابن المعتز، يبدو أننا سنخصص مثلها لمبارك في كتاب هيكل الذي صدر قبل شهر تقريباً بعنوان هذه المقالة، أو المقالة بعنوانه، وعلى عادة هيكل فالكتاب مليء بالأسرار والوثائق، ومن عادة هيكل أن يدوّن جلساته ولقاءاته، ثم يستثمر ما دوّن! والكتاب سيفاجئ الكثيرين، فهو من حيث المادة غني جداً، ومن حيث عمق الاتصال والاطلاع وثيق جداً، ومن حيث غنى المصادر غني جداً، ومن حيث التحليل عميق جداً، ومن حيث الأسلوب فهو متفرد جداً. هذا رأيي، وأنا أقرأ لهيكل وأستمع لمقاله بصراحة منذ قرابة نصف قرن بلا مبالغة. أرجو أن أكون في اختيار الكتاب للقراء وفقت، فهو ربما ليس متاحاً لكثيرين.
على كل حال هذا عرض في حلقات لمبارك وللسنوات التي قضاها فوق رؤوس العباد، كابوساً ثقيلاً. "قُطع مبارك وسنينه"!
2- مبارك وزمانه. تعريف.
هذا عنوان كتاب الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل، وعنوانه الكامل هو: "مبارك وزمانه، من المنصة إلى الميدان"، والكتاب نشرته دار الشروق في القاهرة سنة 2012، ويقع الكتاب في تسع صفحات وثلاثمئة، وتسعة عشر فصلاً، يقول هيكل: إنّ هذا الكتاب كله مجرد مقدمة لكتاب كبير يعدّه هيكل عن علاقته بالسادات من جميع جوانبها.
وفي المقدمة التي سماها ملاحظة، انتقد هيكل محاكمة مبارك على قتل المتظاهرين، والمنطق أن تكون محاكمته على التصرفات التي أخلّ فيها بالتزامه الوطني والسياسي والأخلاقي وأساء بها إلى شعبه، وتلك التهم التي أدّت للثورة عليه. إنّ محاكمة أيّ رئيس دولة يجب أن تكون سياسية لأنها التصديق القانوني على موجبات الثورة ضده، وحينئذ يصبح أمره بإطلاق النار على المتظاهرين جريمة يكون تكييفها القانوني إصراره على استمرار عدوانه على الحق العام (ونقول هذا لمن يدافعون عن بشار!)
وتحت عنوان "مدخل" قال أنّ علاقته بمبارك محدودة وفاترة، وأطول لقاء استمر ست ساعات يوم السبت 5/12/81 بعد شهرين من (نصبه) (تنصيبه) رئيساً، لكن الحوار لم ينقطع، ثم لخّص موقفه منه بسؤال: ماذا أعرف حقيقة عن هذا الرجل؟
ثم أشار إلى الصورة الأولى عنه، وهي التي شاعت أول ظهوره تشبهه بالبقرة الضاحكة (لافاش كي ري)، فكيف استطاعت بقرة أن تحكم مصر؟ (كلّه بالنص خلّي بالك ما عدا المقوّس)
والصورة الأبهى له صورة الطيار والضربة الجوية، إلى صورته ممدداً على السرير في محكمة الجنايات.
أمّا الصورة التي حاول أن يرسمها هو عن نفسه وعن عصره فوصفه لعصره بأنّه زمن الإنجاز الأعظم في التاريخ المصري منذ عهد محمد علي. إذاً فكيف يمكن أن نفسّر الأحوال التي ترك مصر عليها، وهي أحوال تفريط وانفراط وتجريف كامل للثقافة والفكر. وينقل عن أمير سعودي سأله عن توريث ابنه فقال: "يا راجل حرام عليك ماذا أورثه؟ خرابة؟" فأين ذهب الإنجاز يسأل هيكل؟
ويقول هيكل: أنّه وجد بين قصاصاته وأوراقه عن مبارك قصاصة مقال منشور في الواشنطن بوست 7/10/81 مفاد ما فيها: "إنّه حتى هؤلاء الذين يقال أنّهم يعرفون مبارك هم في الحقيقة لا يعرفون عنه شيئاً".
(قلت: يحدّثني عميد طيار أردني متقاعد يقول: كان في دورة عندنا في الأردن ضابط مصري عندما ودّعنا أعلن عن اسمه: محمد حسني مبارك. يقول العميد: لم يكن يختلط بأحد ولا يكلّم أحداً وكنّا نشك أنّه CIA).
يقول هيكل: نحن بالفعل أمام رجل رأيناه كثيراً على مدى ثلاثين سنة ولكنّا لم نكن نعرفه ولا نزال. ثم سأل: إذا كان غير معروف فكيف أكتب كتاباً عنه؟
ثم وضع احتمالات جواباً لسؤال: كيف تقبّله الناس منها أنّ جيل الشباب لم يعرف غيره..
ثم أعاد السؤال: كيف استمر هذا الرجل في رئاسة مصر أكثر من ثلاثين سنة؟ وكيف صبر عليه شعب مصر حتى جاءت ثورة 25؟
3- الفصل الأول.
والفصل الأول عنوانه: أكثر مما يبدو على السطح، وفيه يقول: بدأت متابعتي لمبارك حين ظهر لأول مرة قائداً لسلاح الطيران بعد نكبة 67، ثم عندما اغتيل السادات وكان هيكل في سجن طرة، أمّا مجيئه قائداً لسلاح الطيران فإنّ عدداً من القادة (5) تقلّبوا على قيادة السلاح في وقت قصير حتى جاء مبارك، ثم مات ناصر وثبّته السادات. ثم ذكر هيكل دوره في جزيرة آبا في السودان. (وكنت في مقالاتي عن مبارك في السبيل قبل سنين تكلّمت عن دوره القذر في هذه الجزيرة، التي قتل جراء قصفه سوداني عزيز كان معنا في القواعد وكان وزير زراعة قبلها في بلده!)
يقول هيكل: يشار إلى أنّ مبارك كان وراء اغتيال الهادي المهدي إذ وضعت له قنبلة في سلة مانجو. وقال: ميزة مبارك الأولى أنّه مطيع لرؤسائه ينفّذ ما يطلبون!
ثم يتحدث هيكل عن لقاء له مع السادات في شهر 3 سنة 75، وسأله عن نائب رئيس له، ثم ذكر له السادات أنّه يفكر في مبارك، يقول هيكل: وجدته مُصرّاً عليه (هو رشح له!) يقول: فسألت السادات عن اغتيال مبارك للمهدي، فضحك وقال: إنت بتصدّق الإشاعات؟ فقال: أنت قلت هذا على التلفون لسامي شرف!
4- الفصل الثاني.
والفصل الثاني بعنوان: سؤال واحد وأجوبة كثيرة، قال فيه هيكل: جاء خريف الغضب سنة 81 ووقع اغتيال السادات، وأصبح نائبه مبارك مرشّحاً لخلافته، وكان في السجن أعداد من الساسة والنقابيين والكتاب وكنت بينهم. يقول: وجاءنا أحد مشاهير المحامين وطلب مقابلة فؤاد سراج الدين وفتحي رضوان وهيكل، كل على انفراد، وطلب تأييد مبارك في الترشح (أو الاستفتاء) للرئاسة، وهذا يسهّل خروجهم، وكان رأينا الثلاثة منفردين وحتى الرسول أنّه لا يليق بسجين الرأي أن يؤيّد مرشحاً.
وتم الاستفتاء وجرى انتخاب مبارك (مش بحاجة لتأييد، الصناديق جاهزة يا عم)، وبعدها تلقّيت في السجن مكالمة من أسامة الباز مستشار الرئيس، وأنّه تقرر الإفراج عن المعتقلين بعد أربعين السادات! وطلب مني أن أخبر المساجين، فقال فتحي رضوان: إنّ عقلية مبارك هي عقلية السادات!
يقول: وبعد الأربعين إفراج عنّا، وقابلنا الرئيس، وإلى جانبه فؤاد محيي الدين. وبعد أيام خمسة تلقيت مكالمة أنّ الرئيس يود تناول الإفطار معك الساعة 8، وحدك، وكان عندي أسامة الباز ومنصور حسن فسألتهما وهما وزيران عنده: كيف أتعامل مع صاحبكما؟ علماً بأنّي لا أريد علاقات معه، خاصة وأنّي أرى أنّه شخصية أعقد بكثير مما يبسّط الناس عنه أنّه بقرة ضاحكة، فرد أسامة: أنت على صواب في طرح حكاية البقرة، لأنها تبسيط لشخصية مركّبة، ثم قال: هو يعرفك جيداً، ثم نصحه أسامة ألاّ يتطرّق لأيّ قضية فكرية فهو ببساطة يجد صعوبة في متابعة ذلك. (ما شاء الله!) ثانياً: أنا أعرفك، أنت تستطرد، فلا تستطرد لأنه لن يتابعك. وأرجوك ثالثاً ألاّ تحاول استكشاف فكره لأنك تستثير حذره. وقال منصور حسن: الأفضل أن ترى بنفسك لا أن تسمع!
- الفصل الثالث بعنوان: لقاء ست ساعات.
على طريقة هيكل في سرد التفاصيل، شرح كيف لقي مبارك، وقال له: في الحقيقة أنا أفطرت فلنكسب الوقت، فقال: وأنا كذلك. قلت لمبارك: فكرت أن أعتذر لأن عندك مشاورات تغيير وزاري ومجيئي قد يحدث خلطاً لدى الصحفيين، وردّ مبارك بشقاوة: اتركهم يغلطوا، دول عالم "لبط". وحين قلت: لا أفهم، عجب من بطء فهمي! يقول وأدركت مفتاحاً آخر في شخصية مبارك، ثم وصف الصحفيين "بالهجّاصين"، ثم قال: محمد بيه كنّا نتصوّر أنّك تجلس على حِجْر جمال، لكنه ظهر أنّ الرئيس جمال كان هو يجلس على حجْرك. لم أكن أعرف العلاقة حتى شرحها لي أنيس منصور (كل رئيس له صحفي أثير، ومنصور صحافي موسوعي لكنه يختلف عن هيكل!) فقلت: أرجو ألاّ تكرر ذلك! وظل مبارك على رأيه (هو عنيد) وظل يعتقد أنّ الأحسن أن لا تعطي الصحفيين معلومات، (لذلك كان الصحفيون يخمّنون!) قلت: سيادة الرئيس أنت تسيء الظن بإعلامك.
ثم قال مبارك أنّه يعتبر نفسه في مهمة استكشاف (يقصد لشخصية هيكل. ذكي والله!)، ثم سأل مبارك: ألم يعتقل ناصر النحاس؟ قلت: لا وإنّما وضعه في الإقامة في بيته، ولكنه كان يحبه. قال مبارك: ولكن السادات قال لي: أنّ ناصر لا يحب أحداً.
قلت: هذا رأيه. قال مبارك: أنا أحب جمال وسميت ابني جمال وكذا أنور، هل سميت أحداً من أولادك بهذا؟ قال لا عندي علي وأحمد وحسن، ثم سأل: لماذا اختلف جمال وأنور؟ قلت: لا أعرف خلافاً بينهما.
ثم سأل عن خلافي مع أنور، ثم قال: لا تزعل يا محمد إذا قلت لك إنني لم أكن أقرأ مقالاتك. (كاتب هذه السطور كنت أسمع مقال هيكل بصراحة على مدى ساعة كاملة من صوت العرب وأنا في السادس الابتدائي!)
يتابع حسني: حاولت أن أقرأ ولكنّي لم أفهم (طبعاً يا عم ولذلك رشّحوك رئيساً)، ثم قال: علاقة أنور بك يا محمد كانت عقدة محبة وكراهية، يكره أنك تريد فرض رأيك. قلت: وكيف أفرض رأيي على رئيس الدولة؟ والعكس هو الصحيح.
6- الفصل الرابع: للحديث بقية.
كما هو عنوان الفصل، فإنّه تتمة للفصل السابق، وفيه أعلمنا أنّ مبارك يدخن السيجار مثل هيكل، لكن ذوق الرئيس في السيجار رديء كما يقول هيكل. وكان من ضمن ما سجّل هيكل أنّه أتى بعلبة السيجارة من سيارته، فلما دخّن منه مبارك طلب أن يعطيه النوع وقال، وهنا مفتاح في شخصيته كما أرى: يا أخي عاوزين نتعلّم العز (وأرى أنّ عقدة النقص واحد من مفاتيح شخصيته)، ثم قال مبارك: كل الرؤساء الأمريكان يدخنون السيجار ويلعبون الغولف، وأنت تلعب الجولف. قال هيكل: نعم بدون رئاسة.
قال مبارك: أحسن، الناس تتصور أنّ الرئاسة شيء عظيم والحق أنّها "بلوة"! (أمّال عاوز تنقلها لابنك ليه، تحب له البلوة؟)
وعلّق مبارك: ولكن الجولف تأخذ وقتاً، وأنا أفضّل السرعة. (أعتقد أنّ هنا مفتاحاً آخر لفهم شخصية مبارك) والآن لا وقت عندي للاسكواش لأن طلبات الناس لا حدود لها (وهو مشغول أوي بطلبات الناس، يا عيني!)
ثم سأل مبارك: الناس كده ليه؟ ليس عندهم إلاّ طلبات، يحفظون الحقوق وينسون الواجبات..طلعت روحي. (إن شاء الله قريباً!) (وهذا مفتاح آخر لشخصية ساذجة معقّدة في نفس الوقت)
ثم قال: إن كَثُرت الطلبات أتركها لهم وأسلّم كل شيء للقوات المسلحة وأترك الجميع "ياكلوا بعضهم"، ويعلّق هيكل: وكأنّها كانت نبوءة مبكرة.
(وأقول: وهي في ذات الوقت كشّاف، لنتخلص من المفتاح، عن جانب من شخصيته)
ثم قال مبارك: السادات على حق في اختيار الأمريكان، واختيار السلام مع "إسرائيل"، ثم قال: الذي لا يعرف أنّ أمريكا أقوى قوة في العالم "يعُك".
وعلّق هيكل بضرورة أن يُشعر المتعامل مع أمريكا، أن يشعرها أنّها هي بحاجة إليه، ورفض مبارك بالطبع كما سجّل هيكل.
ثم تكلّم هيكل عن إمكانات مصر، واتصال مصر بأمتها، واستشهد هيكل بحوار له مع كيسنجر بعد حرب 73 واقترح أن يتكلّم عمّا يخصّ مصر، وقال هيكل لكيسنجر: بصراحة، إذا اقتصر اهتمام مصر على قضاياها وحدها فهي تحتاج لكم، وإذا كانت مصر وسط أمتها فأنتم تحتاجون لها. فأخبره مبارك أنّه مختلف معه (طبعاً يا عم!)
ثم أضاف العبقري لهيكل: أنت تنسى أنّه لا أحد يستطيع مساعدتنا على "إسرائيل"(!) إلاّ أمريكا، العرب شمتوا فينا سنة 73.
ثم ذكر أنّ حرب سنة 67 ورّطهم العرب فيها (خاصة الأسد)، وأنّ السادات عيّنه رئيساً للجنة كتابة التاريخ عندما كان نائباً له (اختيار موفّق!) وأصرّ على إقامة علاقة مع "إسرائيل" في حديثه مع هيكل.
ثم عرض على هيكل أن يتعاون معه، فقال: كيف أتعاون على ما لا أقتنع به؟ ثم أخبر هيكل مبارك أنّه يفكر في كتاب "خريف الغضب" عن اغتيال السادات، فقال: سيسبب لك مشاكل كبيرة لأن الرئيس أنور له جماعات كبيرة. (هل فهم الآن أنّه بعد زوال مبارك ما زالت جماعاته الكبيرة والكثيرة تسبب لمصر مشكلات كبيرة وكثيرة؟ ومبارك بعد موته له جماعات. الرسالة واضحة) وعرض عليه الدخول في الحزب الوطني، فأبى لأنه لا يؤمن بحزب في حضن السلطة. ثم أشار مبارك إلى خطر الإرهاب!
واقترح هيكل أن نواجه الإرهابيين على أرضيتهم، أيّ بالدين، فقال مبارك وقد تحيّر: يمكن تفك لي الكلام الملعبك؟ (تبارك الله ما شاء الله)، ثم اقترح هيكل أن ينشئ مبارك وزارة لأسامة الباز هي وزارة شؤون رئاسة الجمهورية، فردّ: لا أريد مركز قوة في الرئاسة. (مفتاح، ولذلك لم يعيّن نائب رئيس!)
وسأل مبارك هيكل أن يتصوّرا معاً، فقال: لا داعي، وتعجّب مبارك، ثم سأل هيكل مبارك عن الحزب فقال: هل هناك بالفعل حزب؟ فقال: الحزب مهم في تمرير القرارات. قال هيكل: ولفتت الكلمة نظري (ونظر الجن!)
ولقي هيكل أسامة الباز في المساء فأطلعه على ما دار بينه وبين الرئيس، فقال أسامة (وهو صديق مبارك ومستشاره!) قال: أنت تضيع وقتك. هو يفضّل أن يسمع من هنا وهناك ويتصرّف بما يرى، وهذا كلام لك، وسوف ترى.
7- في الحلقة القادمة.
وفي الفصل الخامس سنقرأ أنّ ما كان مفاجئاً لهيكل في تعيين مبارك نائباً للرئيس، لم يكن مفاجئاً لغيره، وخاصة في الغرب كما تكشّف له. فما الذي تكشّف له، وخاصة في قصر "الإليزيه" في باريس؟ هذا ما سنقف عليه في الفصل الخامس: في باريس حكايات أخرى. فإلى اللقاء في باريس!
