يكتشف الطفل العالم بمتعة فيتعلم بالخطأ والصواب، ونحن من نلجم إمكانياته ونقتل فيه روح الفلسفة! بمعنى اكتشاف العالم الدائم بمتعة وحبور وبلا نهاية، لأن العالم لانهائي، لأنه صنع الله الذي أتقن كل شيء.كل عمل مقترن بالتوتر يتحول إلى عمل مكروه. وكل عمل يقترن بالمتعة لا يأبه الإنسان فيه لعدد ساعات العمل والجهد بل يجدد نفسه بالعمل، لأنه ليس ثمة حالة تشبه حالة، ووضع يقارن بوضع. نحن في معظمنا ننقذف إلى المهن ليس بالتخطيط والدراسة بل بمحض الصدفة ودفع الوالدين ورغبات من حولنا. أنا شخصيا درست الطب تحت تأثير الوضع السياسي في بلدي فظننت أنني سأعمل منفردا في الساحة الحرة ولن أكون موظفا بحال، ولكنني وقعت في مصيدة العمل الحكومي ومازلت، وعلي الإجابة على المناوبات ومصائب الإسعاف وتحويل الحالات والنزوفات وضرب الخناجر وطعن السكاكين وقذف العيارات النارية وتهتك الجروح وكسور العظام وخلع المفاصل.
أعرف الكثيرين ممن حولي يعملون في حقول لا يحبونها وفي وظائف لا يرغبونها. كل دافعهم للعمل الحاجة للكسب؛ فيحاول إتقان عمله وحلب المال منه.
أذكر أنني قرأت عن الفيلسوف فتجنشتاين أنه تقلب في مهن لا حصر لها منها حارس بوابة ومنها أستاذ جامعي في الفلسفة وفي النهاية أخذ خيمة في النرويج وقعد هناك سنة للتأمل.
إنها خصلة ممتازة أن يهدأ الإنسان فترة من الزمن للتأمل العميق بتحقيق ومعرفة أسرار الخلق والوجود والزمن والتاريخ. كذلك قرأت عن كولن ولسون صاحب كتاب اللا منتمي أنه تقلب في عشرات المهن حتى لا يشعر بالملل والضجر والتفاهة.
إن إدراك أن هذا العالم مسرحية كبيرة يؤدي كل منا دورها فيها فليتقن عمله أمر عظيم. كذلك ربما كان من الحكمة أن لا يطيل الإنسان مكثه في مكان واحد ومدينة واحدة وإن كان الاستقرار جذاب والسفر هرولة وشنططة كما يقولون.
ولكن من اعتاد الأسفار والتغيير ملت روحه في الجلوس في مكان بعينه أكثر من وقت بعينه.الحق يقال أن العالم مكان جميل وأماكن السكن والتنقل والعيش لها جمالاتها الخاصة في صحراء أو بحر في جبل أو سهل فعلى الإنسان ممارسة العمل الممتع والمكان الممتع في سلم أولوياته. وحسب بوذا فإن العالم الذي نعيش فيه قنطرة ولا يعقل أن يقف الإنسان فيها ولو أراد أن يبني قصورا على قنطرة يبكي على فراقها بعد حين. تحكي القصة المؤثرة أن رجلا سأل أحد الصالحين لماذا نبكي حين نودع العالم وأنتم لا تفعلون؟ فكان جواب الرجل الصالح من بنى له بيتا في الجنة اشتاق له. ومن بنى له بيتا في الدنيا حزن حين فراقه وتلك الأمثال تضرب للناس وما يعقلها إلا العالمون. خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآيات.

