في المجتمعات التي لا تؤمن بتعدد الآراء وبأن الله خلق الناس متفاوتين في شخصياتهم وإدراكهم ووجهاتهم تصبح العلاقات الشخصية مرهونةً بالآراء الفكرية..فإذا أردت أن تحافظ على المودة بينك وبين صديقك كان عليك أن تحرص على مطابقة رأيك رأيه تماماً فإذا تحدث برأي لا توافقه عليه فإن عليك أن تهز رأسك وتجامله وتنافقه حتى لا تخسر صداقته..
إلغاء شخصيتك شرط لازم لديمومة المودة في البيئات المنغلقة..وإذا حدث أن اخترت الصدق مع نفسك فتوصلت إلى رأي مختلف عن رأي الآخرين إذا هم منك يصدون وإذا رأوك أعرضوا عنك ولم يردوا السلام كأن لم يكن بينكم مودة فما دمت رأيت غير رأيهم فهذا يعني تشكيكاً في صدق انتمائك وإخلاصك أو على الأقل تشكيكاً في سلامة فهمك وكأن آراءهم هي الحق المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..ينصبون أنفسهم أوصياء على أفكار الناس وكأن الناس قصر وهم وحدهم الناضجون..
في المجتمعات المتخلفة ينظرون لمن يختلف معهم في الرأي وكأنه قد ضل سواء السبيل فيسعون لإقناعه لعله يعود إلى رشده..فإذا أصر على رأيه قالوا لقد استنفدنا كافة الوسائل معه ولكنه انحرف عن الجادة و تساقط على الطريق..
في المجتمعات الناضجة فكرياً يحاورون المختلفين للاستفادة من آرائهم ولا يجدون حرجاً إذا انفضوا مع بقاء كل فريق على رأيه وعدم تمكنه من إقناع الآخر، لكن في المجتمعات المتخلفة يكون هدف الحديث فيها هو الإملاء فلا يصح أن نسميه حواراً أصلاً لأننا لا نتخيل أن ينفض اللقاء إلا بإسكات الآخر وحمله على ما نرى فإن أصر على رأيه بعد ما نظن أنه البلاغ المبين وإقامة الحجة عليه مارسنا ضده إرهاباً فكرياً كما فعلت الأقوام السابقة مع أنبيائها " لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً"، والإرهاب الفكري لا يشترط أن يكون قتلاً أو سجناً وحسب ولكن الإعراض عن الشخص المخالف وحمل الضغينة في القلب عليه هو جزء من الإرهاب الفكري..
أعرف أقواماً كانت بيني وبينهم مودة، ولكن حين اختلفت معهم في الرأي وأصررت على أن أبقى صادقاً مع نفسي فلا أجاملهم ولا أجاريهم فيما أتاني فيه من الله برهان صاروا ينظرون إلي تعرف في وجوههم المنكر يكادون يزلقونني بأبصارهم فإذا رأوني من بعيد ذهبوا من طريق آخر وإن مروا بجواري لم يلقوا علي السلام ظانين أن هذه الوسائل تعني لي شيئاً وهم مساكين لا يدرون أنني في قرارة نفسي أسخر منهم وآسف لهذا التردي الذي وقعوا فيه..
إذا أردنا أن ننتشل أنفسنا من ظلمات الجهالة والتخلف فإننا مطالبون بترسيخ معادلة تقوم على الفصل التام بين ما هو شخصي وما هو فكري. فمن حقك أن تختلف معي في أفكارك مهما بلغت درجة هذا الاختلاف ومع ذلك تظل المودة والاحترام والعلاقات الشخصية قائمة، وليس من حقي أن أفرض عليك اجتهادي وألغي شخصيتك فلا أريك إلا ما أرى..
أليس من حق الابن أن تكون له رؤيته وشخصيته المستقلة عن أبيه ومع ذلك يظل الحب والبر والإحسان قائماً..وما ينطبق على مثال الابن وأبيه ينطبق أيضاً على الفرد ومجتمعه..لماذا هذا الخلط الشائن بين الاحترام وبين الاختلاف في الرأي وكأن الاحترام لا يكون إلا باتخاذ من نحترمهم أصناماً وآلهةً من دون الله ورهن عقولنا لهم..يكفي أن نتفق على شيء واحد وهو أن لكل وجهة هو موليها فلنستبق الخيرات ولنتعاون في مساحة المشتركات أما الاختلاف فهو متفهم لأن الآراء البشرية نسبية، وكل يرى المسألة من زاوية مختلفة..
والله أعلم..


