يزهو أستاذ الشريعة الدكتور محمد المجالي وهو يرسم خارطة من نوع آخر للأردن تمتد بامتداد مراكز جمعية المحافظة على القرآن في المملكة والبالغ عددها 750 مركزا، فيقول: «حدودنا من الغور إل الجفور ومن العقبة إلى الهضبة»، وهذا الأردن القرآني له إنجازات غير مسبوقة، فقد خرّج من أكاديمياته القرآنية 3500 حافظ وحافظة، هذا غير دورات العلوم القرآنية والشرعية والدورات الثقافية والاجتماعية التي جعلت من مراكز الجمعية شعلة إشعاع وتجميع وتوعية وعمل وخدمة وتفعيل أينما وجدت، كما وقدّم الأردن القرآني تجربة رائدة في هذا المجال استفادت منها المؤسسات العربية والإسلامية، بل وكان سبّاقا إلى مشروع إصدار مصاحف للصم والمكفوفين.
ولقد أثمر الغرس الذي زرعته الجمعية في نفوس الأردنيين على مدى أكثر من عشرين عاما أيّما إثمار وتجلّى حبهم للقرآن وتعهُّدهم له في حملة وقف أهل القرآن (وقفي حياتي بعد مماتي)، التي تهدف إلى دعم مشاريع الجمعية ولتكون بمثابة صدقة جارية لمقدميها يتواصل أجرها وينمى لهم حتى بعد وفاتهم، وقد جمعت الحملة حتى ساعة كتابة هذه السطور مليون و352 ألف دينار أردني، متفوقة بذلك على كثير من الحملات الخيرية في كثير من ميادين الخير.
وهذا ليس بغريب على أهل أردن الحشد والرباط، البلد الذي ما انفكّ أهله يتسابقون إلى فعل الخيرات من شق التمرة إلى المليون دينار، الأردن الذي يشهد له ولأهله التاريخ بالمكرمات والبذل والعطاء، إن كان المطلوب مالا قدّموا أموالا وإن دما بذلوا دماء وإن أرضا جادوا بأراضٍ، ولا يتأخرون عن قصب السبق ولا صفوف الأولين. هذا الأردن الذي نعرف ونحب وهؤلاء هم أهله، وما غير ذلك غثاء وزبد جفاء لن يمكث في الأرض إلاّ أياما معدودات.
بالقرآن وأهله يُحفظ البلد ويستمطر الخير وتستدفع البأساء ويستقيم المعوج وينصر المظلوم ويعاقب الظالم، فالقرآن ليس كلمات تتلى للأجر أو التبرك أو في المناسبات، وإنّما منهاج حياة يقول فيه محمد إقبال متعجبا ممن يحصرون القرآن ككتاب متعبد بتلاوته فقط: «إنّه ليس بكتاب فحسب، إنّه أكثر من ذلك، إذا دخل في القلب تغيّر الإنسان، وإذا تغيّر الإنسان تغيّر العالم، فيا عجبا أن لا يصبح لك اتصال بالقرآن إلاّ إذا حضرتك الوفاة فتُقرأ عليك سورة يس لتموت بسهولة! قد أصبح الكتاب الذي أنزل ليمنحك الحياة والقوة يُتلى عليك لتموت براحة و سهولة!»
فالقرآن ليس مبانٍ فحسب، إنّما معانٍ وتطبيقات ومن لم يسعد ويرتقي به في الدنيا لن يسعد ويرقى به في الآخرة، ورب قارئ وحافظ للقرآن يكون ممن تسعر بهم النار إذا لم يأخذوه بحقه، وحقه إقامة حروفة بإتقان تلاوته وفهم معانيه وإقامة حدوده في الحياة بتطبيق شرعه.
لقد أكرم الله أهل الأردن بأن وفّروا للقرآن أماكن حفظه ودراسته وفهمه ويبقى ليتم الأمر أن يصبح الحفظة مصاحف تمشي بين الناس يعملون ليصبح القرآن سياستنا واقتصادنا وحياتنا الاجتماعية وأخلاقنا، وعندها نصبح من حفظة القرآن وأهله المبرور سعيهم والمقبول عملهم والمضاعفة أجورهم.
حفظ الله الأردن قرآنيا ربانيا طاهرا.

