قانون المدافعة أصل في بناء الاستراتيجيات . وأصل فيما دونها من برامج ومراحل . لا يوجد في الكون شيء خارج قانون المدافعة . قانون المدافعة يشمل السنن الكونية ، والسنن الحياتية التي للبشر تدخل مباشر وغير مباشر في صناعتها . إنه قانون عام يستغرق السياسة والاقتصاد والعمران والبناء الحضاري . وهو قانون يستغرق الماضي والحاضر والمستقبل ، وكل من يحاول أن يتهرب من قانون المدافعة تحت اسم براق وجميل (كالاستقرار ـ والظروف ـ والسلام الاستراتيجي مع العدوان ) هو يصادم قانون المدافعة الغلاب الذي على أساسه وقاعدته يحفظ الله الكون والأرض ومن عليها من الفساد والإفساد.
أول العطب يبدأ من الداخل حين يهرب الناس من المدافعة ، وحين يستريحون للترف والزينة، ويغمضون أعينهم عن الفتنة ، والنقص المتوالي أو التراكمي الذي يذهب بالنخوة والعروبة وبالغيرة على العباد والبلاد ، بترك سنن المدافعة ، وينشدون الراحة ، وقد خلقنا في كبد .
قانون الحضارة الحية قائم على المدافعة ، وقانون السيادة قائم على المدافعة ، وأداته السلاح والمال والاقتصاد ، وقانون النمو الاقتصادي قائم على المدافعة والمنافسة والاستثمار، وقانون بناء الدول والتحرير وتقرير المصير قائم على المدافعة وأعلاها المقاومة والجهاد .
وأحسب أن عزل القضية الفلسطينية عن قانون المدافعة بمستوياته المختلفة هو ضرب من الإساءة البالغة للقضية ، وهو في الوقت نفسه أمر مستحيل ، إذ إن حياة القضية الفلسطينية منذ عام 1948م وحتى الآن ارتبطت بعمليات مدافعة لم تنقطع يوماً ، وكانت مدافعات ساخنة في مرات عديدة ، وبهذا استبقى الشعب الفلسطيني ذاته حية بين الذوات في العالم واستبقى قضيته حية أيضاً.
وأحسب أن فشل مشروع المفاوضات هو نتاج مخالفة عميقة لقانون المدافعة أصلاً ، لأن الجانب الإسرائيلي يريد أن يحتفظ لنفسه بالسيادة وباليد العليا ، في مقابل ذلة واستكانة مجهضة لطبيعة المدافعة المنتجة كما تشرحها سنن الكون وسنن الحياة وسنن التاريخ .
إن المشروع الذي يصلح لفلسطين في قابل الأيام هو المشروع الذي يستحضر قانون المدافعة الكوني والحياتي الذي بموجبه تحركت الدول التي تحررت من الاستعمار ، والذي بموجبه تحركت الثورات ضد الاستبداد في مصر وتونس وليبيا ، وهو مشروع وقانون تحركت بموجبه الثورات الفلسطينية النقية . إن البحث في مشاريع أخرى خارج مشروع المقاومة هو بحث فاسد ، يخالف طبيعة الصراع مع العدو حين تحتل الأرض ويهلك الحرث ويفسد الدين .
لقد دخلت القضية الفلسطينية في نفق معتم لا ضوء فيه على مدى عقدين من الزمن بسبب مفاوضات صادمت عن عمد قانون المدافعة واستراتيجية التحرير ، وخالفت سنن كونية وحياتية وتاريخية ، وكان في هذه المخالفة ما يريح العدو ويسعده .
إن التعايش مع مشروع فاسد مخالف للسنن لفترة أطول هو غواية وإغراء للاحتلال على التمادي فيما يفعل ، وهو قراءة خاطئة لاستراتيجية المدافعة وقانونها ومخرجاتها من حرية وعدالة وتطهير للحياة وللبلاد . لا بركة فيما أحسب وأعتقد خارج سنناً الكون والحياة ، بل يجب أن ندور معها دفعاً للظلم والعدوان رغم الحصار ، ورغم الإغراءات.
