في ذروة البحث عن الشرعية بين رام الله وغزة ، ومع طغيان الهجمة الداخلية واستهداف الفلسطيني للفلسطيني لإثبات الذات ، وفي ضوء تراجع خطاب الصمود واستبداله بلغة نشاز حرفت المسار وأهملت الثوابت التي باتت تحتل رصيدا متأخرا منه ... هذا أن وجدت لها متسعا مع زحمة المناكفات واتساع دائرتها واحتلالها مساحات واسعة من البث التلفزيوني الذي ابتعد كثيرا عن بكائيات أطفال الأسرى وهموم أمهاتهم وأهات زوجاتهم ولوعة أحبائهم ورفاق دربهم التي لم تعد تحرك ساكن من انشغل باله وانصرف يبحث عن إعادة المقرات أو التمسك بها ؟؟
عاد الأسرى مرة جديدة يذكرونا بأنهم هناك.. ما زالوا موجودين ... وما زالت قلوبهم تنبض رغم الموت البطئ لهم وتعدد أشكاله وأصنافه في كل لحظة تمر عليهم ، هم يعدون الثواني بانتظار فرج الله بعد أن ملوا انتظار القوائم التي لا تتعدى العشرات والقادمة عبر الإعلام على أنها الانجاز الموسمي _ رغم أهميته هناك ... يتألمون ويستصرخون القلوب والآذان التي أصمتها الأحقاد والمصالح ، ويذكرونا بأنهم يقبعون بعيدا عنا وراء الشمس و تحت الخيام المرقعة التي لا تحفظ بشرتهم السمراء من برد الشتاء القارص ولا من حرارة الصيف اللاهبه ...تلف قلوبهم أسلاك شائكة تمنع عنهم نسيم الوطن الذي قسمه المحتل وأجهزت على ما تبقى منه نكاية المغرضين وحجبت عن نظرانيهم أشعة الحرية التي غطتها سحب الكيد وظلم ذوي القربى.
هناك حيث الوطن الصغير الذي وحد ما اختلف عليه أصحاب الوطن الكبير و الذين وصفوهم يوما _ لأمر _ بأنهم أطهر منهم وأن ما يحضون عليه وما يخرج من أوراق التآلف ووثائق الوفاق مسلمات لا ينبغي نقاش أمرها ثم نكصوا عهدهم ونسوا وثيقتهم ... ثم نسوهم.. ويوما كانوا هم الأطهر!!! .
عاد الأسرى يقولون أن هناك أكثر من أحد عشر ألف سجين ينتظرون الخروج بعد سني القهر التي تناساها أصحاب ربطات العنق الفاخرة والسيارات الفارهة والمؤتمرات القادمة ... وهذه المرة ارتفع صوتهم عاليا كعلو جبال الخليل والقدس ونابلس ولكنه تلون من جديد بلون الدم الزاكي القادم من صحراء النقب ورمالها الساخنة.. تلون بدم الشهيد الأسير محمد ساطي يوسف الأشقر ابن طولكرم والقائد في السرايا بعد أن هب كباقي إخوانه يدافع عن إخوانه في وقت تناسى البعض معنى هذه الكلمة .... إخواني !! وليسجل اسمه السابع عشر في قائمة الخالدين من شهداء الأسرى في انتفاضة الأقصى والثالث والسبعين منذ الانتفاضة الأولى والمائة وثلاثة وسبعين منذ الاحتلال الصهيوني.
محمد الذي كان من المتوقع أن يخرج بعد ستين يوما وهو مشتاق ليعانق ابنه وأمه وأهله وأحباءه ، ويكحل عينيه بوطنه الممزق بعد 5سنوات من الفرقة والبعد وقد تغير كل شيء ...الوطن والإخوة والمحرمات، كلها قد ذهبت أدراج الرياح وتناساها المتخاصمون .. .ولكنها في قاموسه الخالد الذي ربى عليه لم تتغير فقد قضى شهيدا بسلاح صهيوني وعدو صهيوني نصرة لإخوة الدم ورفاق البندقية والألم ، وقد تمناها قبل أن يكون أحد نزلاء أقسام النقب ، وشاء القدر أن ينالها ولكن ليس بالمكان الذي كان يريده .
محمد الذي كان بإمكانه أن يجلس على سريره بعيدا يراقب ما يحدث دون أن يشارك بما يعكر صفو حياته الجديدة التي ستبدأ قريبا مع ابتسامة ابنه وحنو زوجته وخبز والدته .ولكنه الأبي كما كل فلسطيني عزيز لا يقبل الضيم ولا يتجرع الهوان ، فما يصيب إخوانه يصيبه وزيادة ، ولأن الجرح واحد والعدو واحد والدين واحد انتفض كالأسد في عرينه .
محمد الذي انتظر خمس سنين يعدهم بالدقيقة والثانية ولم يجد من يخفف عنه وطأة السجان وعذاباته اليومية التي يسوؤه بها مطلع كل فجر ومغيب شمس كل نهار ، ولم يكتف بذلك بل قرر أخيرا إنهاء حياته قبل ينهي محكوميته.. زيادة في العذاب وإمعانا في الحقد الأبدي للفلسطيني ، ولم يعلم ذلك القاتل المجرم أن دمه الأشقر الذي سال وضمخ حبات رمال النقب وحد من جديد المتخاصمين وذكرهم بعدوهم الحقيقي ، وبمأساة آلاف الأسر المنتظرة فجرا جديدا لهم ، بعد أن نسيهم أهل السياسة وبعد أن فشلوا فيما نجح به محمد... والفرق أن دمه كان الوصية ... وغيره ما زال بانتظار بوادر حسن النوايا القادمة مع رياح الخريف المسمومة .
تامر الشريف
24 - 10-2007
24 - 10-2007
