الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 07:17 ص

مقالات وآراء

ما وراء التسريبات الأمريكية بشأن نوايا «إسرائيل» تجاه إيران؟

حجم الخط

التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا بشأن نية «إسرائيل» توجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية بحلول الربيع تثير الكثير من التساؤلات، لا سيما وأنّها جاءت في خضم جملة من التسريبات الأمريكية بشأن النوايا الإسرائيلية تجاه إيران. فالأمريكيون يتحدثون عن توجّه «إسرائيل» لاستخدام عدد من الوسائل في مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، على رأسها: صواريخ «يريحو 1» و»يريحو 2»، بعيدة المدى، التي ستحمل رؤوس خاصة تجمع بين العبوة التقليدية والسلاح الكيماوي، الذي يهدف لإحداث أكبر ضرر في المنشآت النووية، مع التشديد على أنّ «إسرائيل» لا تخطط لاستخدام رؤوس نووية تكتيكية في الهجوم. وحسب الأمريكيين فإنّ «إسرائيل» تخطط في الوقت نفسه لشن غارات جوية على المنشآت النووية، تنفّذها طائرات «إف 15، أيه»، وبالإضافة إلى هجمات تنفّذها طائرات كبيرة بدون طيار، علاوة على إنزال وحدات برية نخبوية للمشاركة في عمليات التدمير. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف يمكن فهم التسريبات الأمريكية بشأن المخططات الإسرائيلية تجاه إيران؟ فهل قصد منها خدمة الأهداف الإسرائيلية المتمثلة في ممارسة حرب نفسية تجاه إيران لدفعها على التراجع والموافقة على عدم زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم بشكل يسمح بتحول برنامجها النووي للتراجع عن البرنامج النووي بالكامل، أم أنّ الهدف من وراء ذلك هو التعبير عن الامتعاض الأمريكي من مخططات إسرائيلية لضرب إيران، على اعتبار أنّ هذه الخطوة لا تخدم المصالح الأمريكية في ذلك الوقت تحديداً؟ لكن على كل الأحوال، بات من الواضح أنّ الأمريكيين لم يتّخذوا أيّ خطوة لردع «إسرائيل» عن ضرب إيران، رغم أنّ كلاً من بانيتا ورئيس أركان الجيش الأمريكي الأدميرال دمبسي قد زارا «إسرائيل» وألحّا في مطالبتها بالتنسيق مع واشنطن قبل الشروع في أيّ خطوة ضد إيران. الذي يثير حفيظة الأمريكيين حقيقة أنّ أيّ ضربة إسرائيلية لإيران ستؤدي إلى تداعيات اقتصادية بالغة التعقيد. ويبدي الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشكل خاص حساسية كبيرة تجاه أيّ تداعيات سلبية على الاقتصاد الأمريكي في خضم حملته الانتخابية للفوز بولاية رئاسية ثانية، على اعتبار أنّ هذه التداعيات ستؤثّر سلباً على فرصه بالفوز، ويشارك أوباما العديد من قادة أوروبا الذين يخشون تداعيات الهجوم الإسرائيلي. من ناحيتها حاولت «إسرائيل» إذكاء نار المخاوف الأمريكية والأوروبية عبر زيادة وتيرة الحديث عن التقدم الذي حققته إيران في مشروعها النووي، فقد استغل القادة السياسيون والعسكريون في «إسرائيل» انعقاد مؤتمر «الحصانة القومية»، الذي ينظّمه مركز «هرتسليا متعدد الاتجاهات» لإطلاق الكثير من الرسائل، موجّهة للغرب ولإيران.

 

 فقد زعم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أفيف كوخافي أنّ إيران تملك من المواد المشعة ما يكفي لإنتاج أربعة قنابل نووية، في حال اتّخذت قيادتها السياسية قراراً بذلك، في حين أعلن موشيه يعلون، نائب رئيس الوزراء بأنّ الحل الأمثل يكمن في توجيه ضربة عسكرية لإيران، وألمح يعلون أنّ «إسرائيل» كانت مسؤولة عن تفجير خط إنتاج الصواريخ بعيدة المدى بالقرب من طهران قبل شهرين. من ناحيته اختار وزير الدفاع إيهود باراك الحديث عن المسوغات التي تفرض على «إسرائيل» توجيه ضربة قوية في حال لم يقم الغرب بفرض عقوبات جادة قادرة على شل النظام الإيراني، وتشمل العقوبات التي تطالب بها «إسرائيل»: امتناع العالم عن استيراد النفط الإيراني، ووقف التعامل مع القطاع المصرفي الإيراني. ويشير باراك إلى أنّ دواع إحباط المشروع النووي الإيراني هو الخوف من أن تحول المظللة النووية الإيرانية دون تمكُّن «إسرائيل» من الرد على استفزازات حزب الله، علاوة على أنّها تفتح المجال أمام سباق تسلح نووي في المنطقة. ويتحدث الإسرائيليون بشكل صريح عن مخاوف من أن تتجه السعودية لتطوير سلاح نووي، بفضل علاقاتها الخاصة مع باكستان، والخشية من أن تقايض الرياض ديونها الضخمة على إسلام أباد بالتقنية النووية. في «إسرائيل» يؤكدون أنّ حصول دولة عربية سنية على سلاح نووي أخطر بكثير من حصول الدول الأخرى.

 

 بالنسبة ل»إسرائيل» كان يفترض أن تشكّل العقوبات التي فرضتها أوروبا على إيران مؤخراً، والتي تضمّنت الامتناع عن استيراد النفط الإيراني وفرض مقاطعة على البنك المركزي الإيراني، تجسيداً للحلم الإسرائيلي، فلم تعد أوروبا والولايات المتحدة تتبنّى فقط التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية التي تقول أنّ إيران تقترب بشكل كبير من تحقيق حلمها المتمثل في إنتاج سلاح نووي، بل أنّها استجابت للمطالب الإسرائيلية بشأن فرض عقوبات «ذات أسنان» بإمكانها أن تترك آثارها على الحياة والمجتمع في إيران بشكل جذري.

 

 لكن اللافت أنّه على الرغم من حجم التحول في الموقفين الأمريكي والأوروبي، إلاّ أنّ «إسرائيل» حرصت على التقليل من أهمية الخطوات الأخيرة، في الوقت الذي واصلت فيه إعطاء الانطباع أنّها ماضية في التخطيط لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران. إنّ هذا السلوك الإسرائيلي يهدف في الأساس إلى مواصلة الضغط على الأوروبيين لاتخاذ المزيد من الخطوات العقابية ضد طهران، وقد أدى هذا التكتيك إلى ظهور تناقض واضح في الموقف الإسرائيلي، فمن ناحية يؤكّد بنيامين نتنياهو في الجلسات الخاصة أنّ العقوبات أدّت بالفعل إلى تضييق الخناق على إيران، وفي نفس الوقت فإنّه يحرص على التقليل من تأثيرها في ظهوره الإعلامي.

 

 وهناك سبب آخر وراء التناقض في التقييم الإسرائيلي لتأثير العقوبات على إيران، حيث أنّه إذا كان كلاً من نتنياهو وباراك معنيان بتوجيه ضربة للمفاعل النووي الإيراني، كما كشف عن ذلك رئيس الموساد السابق مئير دغان، فإنّه ليس من مصلحتهما عرض العقوبات الأوروبية كعقوبات فاعلة ومؤثرة في مصير البرنامج النووي الإيراني، على اعتبار أنّ إدراك المجتمع الدولي فاعلية هذه العقوبات ينزع الشرعية الدولية عن أيّ توجه إسرائيلي لمهاجمة إيران.

 لكن إذا كان المرء يعتمد على التسريبات بشأن نوايا «إسرائيل» تجاه إيران، فإنّه لا يمكن أن يتجاهل ما نقلته مجلة «تايم» البريطانية عن ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي قوله أمام اجتماع سري للمجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن بأنّ الجيش الإسرائيلي لا يمكنه توجيه ضربة قوية وجادة للبرنامج النووي الإيراني قادرة على تدميره.

 

 فإن كان هذا الاقتباس دقيقاً، فإنّه يرسم الكثير من علامات الاستفهام حول التهديدات الإسرائيلية المبطّنة، لا سيما وأنّ جميع التقديرات الإسرائيلية تؤكّد أنّ أيّ ضربة إسرائيلية ل»إسرائيل» ستنجح في تأجيل المشروع النووي لعدة سنوات فقط، لكن بعد هذه الضربة ستكون طهران متحررة من كل القيود التي تفرضها الوكالة الدولية للطاقة النووية.

 

 قصارى القول: هناك الكثير من الغموض حول النوايا الإسرائيلية، لكن أغلب الظن، أنّ الإسرائيليين يرون أنّ معالجة التهديد النووي الإيراني هو ضرورة ملحّة للحيلولة دون تبلور الخطر النووي السني.