الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 07:43 م

مقالات وآراء

حمام الدم السوري

حجم الخط

يوم 21 يناير 2012 بلغ عدد القتلى في حمام الدم السوري 94 قتيلا. أما عدد القتلى اليومي فهو يتراوح بين عشرين وأربعين قتيلا. أما عدد من فارق الحياة فقد تجاوز ستة آلاف ومائتي قتيل. أما عدد المفقودين فتجاوز ثلاثة آلاف من الشباب في عمر الورد. أما عدد المعتقلين فقد وصل إلى سبعين ألفا. أما عدد المجروحين والمشوهين فلا أحد يعلم؛ فليس من كتاب يضمهم وإحصاء يجردهم. أما عدد المهاجرين والمهجرين والفارين والملاحقين والمطلوبين فمئات الآلاف. إنها كارثة عارمة أليس كذلك؟، إننا نسبح في عالم من الدم القاني يغسل ذاكرتنا ويلوث التاريخ مع كل نشرة أخبار.

 

أضع إصبعي على الأرقام، أتلمسها كأنني أتلمس جرح في جسدي. مع كل مضغة طعام ورشفة ماء وتلفع بالثقيل في الشتاء أتذكر المواطن السوري؛ فعندي تصور قوي عما يجري في ديار البعث. إنه سرطان دموي نازف قاتل.

 

إلى متى ستنزف سورية دما ويقتل شعبها ولماذا ابتليت هذه الأمة الذكية المتحضرة بمثل هذا السرطان الخبيث؟ أذكر سراييفو لما زرتها في شتاء عام 2010. إنها بلد حلو ولكنه محمل بالذكريات المرة. ترى الناس يحملون ندوبا واضحة في الوجوه والذكرى. لقد ارتاحوا بدون أن يرتاحوا. كذلك الحال مع الليبيين لقد انتهوا من المهرج وكتابه الأخضر السمج ولكنهم فقدوا عشرات الآلاف وجرح مئات الآلاف ودمار مدن ودساكر وقرى وعساكر.

 

إنها الحرب كما قال هرقليطس الفيلسوف اليوناني قديما: إنها أم التاريخ وأبوها تدفع شعوبا للعبودية وشعوبا للشقاء وشعوبا للفقر والدمار. إنها الحرب كما قال الشاعر العربي وليس الحديث عنها بالمرجم. نعم إنها ليست بتكهنات وظنون بل قروح وجروح وندبات وسكاكين ودموع وكسور وذكريات مريرة وفقدان للأحباء. إنها تعكس ميزان التاريخ؛ هذه المرة لايدفن الأبناء الآباء.. لا.. العكس يحصل؛ الأباء يدفنون الأبناء والأمهات تلطم الخدود والزوجات تعتصر الآهات والأولاد ينظرون حائرين والدمع يملأ الوجنات، أين بابا أين بابا هل سيعود؟.. تقول الأم يا ولدي بابا ذهب ولن يعود..

هذه هي ضريبة الحرية. يجب على كل مدينة سورية أن ترفع نصبا هائلا في مدخلها وعليها أسماء من قدموا أجسادهم جسرا للعبور إلى فضاء الحرية. لقد قدموا أقدس ما يملكون أرواحهم. حقيقة إنه شعب أسطوري سكت نصف قرن ولكن غضبه يذكر بتسونامي المحيط.