يمه يطيب السجن والعمر ما أحلاه
لما يكون الأسر مهر في سبيل الله
يمه وحنين الأهل في القلب ما أغلاه
لكن سبيل الوطن عزم وسجن وحراب
يعود هذا الموال الاحتفالي بمحنة السجن لفرقة الوعد ليذكّر بسجين من أشهر السجناء هو الإمام ابن تيمية الذي استن بسنة نبينا يوسف عليه السلام في تحويل المحنة إلى منحة والسجن إلى مدرسة يتخرّج منها الأبطال الأحرار الذين يهزؤون بالقيد والزنزانة، بل وقد تعالت نفس ابن تيمية على كل حد وقيد ورد كيد الجلادين في نحرهم، فلم يجعل لمكرهم عليه سبيلا مهما فعلوا واشتطوا، فقال قولته الشهيرة "ما يفعل أعدائي بي؟ أنا قتلي شهادة وسجني خلوة ونفيي سياحة".
وتتجدد مدرسة السجن لتثبت أنّ الخيرية باقية في أمة محمد تصل بين يوسف عليه السلام الذي فهم الدرس الرباني من مرحلة السجن، التي صار بعدها مكينا أمينا عزيزا وردّ الله له أهله وتوالت النعم واعترافه وشكره لها، "هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو، إن ربي لطيف لما يشاء، رب قد آتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث".
وتعود منح السجن لتجدد الدرس لمن يسلكون درب النضال وتبكيتا لعبيد الدنيا وأسرى الهوى وتثبيتا لمن بقوا خلف القضبان في قصة الأسير عبد الرحمن شديد وزوجته ولاء دوعر وأهل زوجته آل دوعر، فبعد عشر سنين في السجن كان لا بد من بدء حياة جديدة يحدوها الأمل مع استمرار العمل، وهل خير من إكمال نصف الدين في استفتاح حياة جديدة؟
ولكن من يزوج عبد الرحمن الأسير المنفي إلى غزة والذي لم تتضح معالم مستقبله بعد؟! بعض الناس كانوا ينسون من هو وماذا قدّم، ويذكرون النفي في بلد محاصر وكأنّهم يقولون لقريبته التي كانت تخطب له: ومن يرمي ابنته في النار بيديه؟!
من يزوّج عبد الرحمن؟! وكأنه ذات السؤال الذي سأله تلميذ سعيد بن المسيب فقيه المدينة لشيخه سعيد فقال له: ومن يزوّجني وما أملك إلاّ درهمين؟! فأجاب ابن المسيب: أنا، مؤثرا نسبه وهو صاحب دين وخلق على مصاهرة عبد الملك بن مروان في ابنه.
ابن المسيب للأسير المحرر عبد الرحمن شديد كان الكاتب غسان دوعر الذي احتفل بنسب عبد الرحمن أيما احتفال، بل ورآه مكسبا لابنته وتجارة لن تبور.
تقول إحدى قريبات عبد الرحمن: في يوم عقد القرآن دخل العروسان لكتب الكتاب، فتأخروا طويلا حتى بدأ الشك والقلق يتسرّب لنفوس الحاضرين أنّ هناك مشكلة قد حصلت، فلما دخلت إحداهن للاطمئنان وجدت أنّ هناك خلافا حادا قد وقع بالفعل بين العريس والمأذون من جهة وبين والدي العروس من جهة أخرى، فالفريق الأول يصرّ على دفع مهر للعروس كمثيلاتها والأب والأم يصرّان على الرفض ويقولان أنّ سجن ودين وأخلاق عبد الرحمن هو المهر، وأم العروس تقول له أنّهما بتجهيز ابنتهما يشعران كأنّهما يجهزان غازيا في سبيل الله ولن يقبلوا بأن يخرجوا صفر اليدين من هذه الصفقة مع الله، ولكن عبد الرحمن بكرم نفسه لم يرضى إلاّ بتحديد مهر ولو كان بسيطا وجاء لعروسه بالشبكة كذلك.
مشهد قد يصلح لقصة رومانسية درامية تعيدنا إلى الزمان الجميل والناس الطيبين، ولكنه لم يكن كذلك كان مشهدا حيا من بشر ولحم ودم ومبادىء لم ينظروا في الهواء كلاما فارغا وإنّما طبّقوا السنة والفضيلة والمكارم واقعا عل الأرض، وفي أقرب وأحب الناس.
ألا ربح البيع عبد الرحمن، ألا ربح البيع آل دوعر.
وارفعي رأسك عاليا يا ولاء غسان دوعر فقليلات لهن أن يفاخرن بأنّ مهرهن كان أسرا وجهادا في سبيل الله.
نحتفي ونفتخر بكم وبكل من يسير على نهجكم ويزيد لأنكم ما زلتم تثبتون لنا أننا "خير أمة أخرجت للناس".
