بعد التوقيع على اتفاقية المصالحة الفلسطينية برعاية مصرية في مايو 2011، كان من المفترض التوافق بين الفصائل الفلسطينية على تشكيل حكومة مؤقتة من المستقلين أصحاب الخبرة والكفاءة للعمل بمهنية على تطبيق هذه الاتفاقية في مدة أقصاها عام واحد من وقت التوقيع عليها. ويناط بهذه الحكومة، في حال تم تشكيلها، تطبيق المصالحة المجتمعية، وإعادة إعمار قطاع غزة، والتحضير للانتخابات القادمة، والعمل على تذليل كل الصعوبات أمام تنفيذ هذه الإتفاقية. وقد كان التفاؤل سيد الموقف وعمت الاحتفالات قطاع غزة والضفة الغربية، وكانت الأجواء السياسية مهيأة لتشكيل هذه الحكومة، لولا وجود "عقدة فياض" حيث أصر رئيس السلطة الفلسطينية على أن يكون سلام فياض المرشح الوحيد لتولي رئاسة هذه الحكومة للتعاطي مع المتطلبات الدولية واستمرار الدول المانحة، خاصة الولايات المتحدة، في دعم السلطة مالياً.
لقد تم تأجيل النظر في تشكيل هذه الحكومة إلى ما بعد سبتمبر 2011، وذلك بناءً على طلب من رئيس السلطة الفلسطينية وحرصاً من حركة حماس على عدم إفشال المصالحة. وكانت السلطة قد توجهت بطلب إلى الأمم المتحدة لقبول فلسطين كعضو كامل ودائم في هذه المنظمة الدولية، مع العلم أن كل التقديرات كانت تشير مسبقاً إلى فشل هذه المساعي أمام الفيتو الأميركي والتعنت الإسرائيلي. وبعد فشل ما سمي باستحقاق أيلول عادت السلطة الفلسطينية للحديث عن المفاوضات وتم تجميد كل مساعيها للمطالبة بعضوية كاملة في الأمم المتحدة مقابل إعادة تفعيل مساعي اللجنة الرباعية الدولية لاستئناف جهود المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. وبعد جولات قام بها ممثل اللجنة الرباعية ولقاءات مع الحكومة الإسرائيلية ومع قيادة السلطة الفلسطينية، تقدمت السلطة الفلسطينية بعطاء مكتوب للرباعية يتعلق بموقفها من مسألتي الأمن والحدود وذلك في نوفمبر 2011 على أن يقوم الجانب الإسرائيلي بالرد على ذلك في مدة أقصاها 26 يناير 2012.
تزامن موقف السلطة الفلسطينية من المفاوضات مع اللقاء الذي عقد في العاصمة المصرية القاهرة بين رئيس السلطة محمود عباس، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، في نوفمبر 2011 في أجواء تصالحية وصفت بالإيجابية. لقد تناول الحوار الملفات الرئيسية وناقشا عدة قضايا، منها تشكيل الحكومة الانتقالية، والتي كانت أحد أهم بنود المصالحة على جدول أعمال وفدي حماس وفتح في القاهرة في 18 ديسمبر 2011. وفي هذا اللقاء تم تأجيل تشكيل حكومة التوافق رسمياً وللمرة الثانية بطلب من وفد حركة فتح إلى مابعد 26 يناير 2012، وذلك لإعطاء فرصة أخيرة لجهود المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية. ولقد تم تشكيل لجان مختلفة للبدء بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، منها لجنة المصالحة المجتمعية، ولجنة الحريات العامة، ولجنة الانتخابات. في الحقيقة إن هذه اللجان هي البديل لحكومة التوافق التي كان يجب أن تقوم بالمهام المذكورة. وفي اللقاء الذي جمع رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، برئيس كتلة فتح البرلمانية عزام الأحمد، في 18 يناير 2012 تم التأكيد على أن كل الاحتمالات قائمة بشأن تشكيل حكومة التوافق قبل نهاية يناير. في الوقت الذي مازالت حركة فتح متمسكة بسلام فياض "العقدة" كرئيس لهذه الحكومة، معللة ذلك بعدم الدخول في مخاطرة تشكيل حكومة قد تخضع لحصار دولي في هذه المرحلة السياسية.
إن الإخفاق في تشكيل حكومة التوافق يهدد بنسف اتفاقية المصالحة ومن ثم العودة إلى تكريس حالة الانقسام، خاصةً أن هناك دلالات قوية تشير إلى عدم إمكانية تشكيل هذه الحكومة في الوقت الراهن. يتزامن ذلك مع تصريحات قيادات في السلطة الفلسطينية بأنها تبحث عن بدائل سياسية إذا لم يتم استئناف المفاوضات بحسب المطالب الفلسطينية، أي تجميد الاستيطان والاتفاق على إطار زمني محدد للمفاوضات. مما قد يعني أن السلطة الفلسطينية قد أسقطت من خياراتها الاستراتيجية تنفيذ المصالحة الفلسطينية، خاصةً أنه لم يتم تنفيذ أي من بنودها في قطاع غزة والضفة الغربية بعد سبعة أشهر من توقيعها. ويثير هذا الواقع تساؤلات عديدة حول مصداقية ونوايا السلطة الفلسطينية بالتوقيع على هذه الاتفاقية، خاصة أن تنفيذها أصبح مرتهناً بنجاح أو فشل المفاوضات مع حكومة الاحتلال وليس المصلحة الوطنية العليا.


