الأحد 25 يناير 2026 الساعة 07:45 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

«واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا »

حجم الخط

 1- مدخل.

 هذه هي الحلقة الثالثة تحت هذا العنوان، وإنما أوحى بالكتابة في الموضوع واقع معيش، يحتاج إلى ترشيد، وعلى كل عاقل أو صاحب فكر أو قلم أو بيان أن يدلي بدلوه، وعلى كل مخلص أن يحذو الحذو. ولا يعامل هذا الواقع بالتطنيش، وحذار من أن يحمل أحد زيتاً يصبه على النار، أو ناراً يدفع بها على الوضع الملتهب. حذار من الانجرار وراء خطوات الشيطان، وتتبع خطط الأعداء المستعمرين الجدد، ونهجهم القديم الجديد: فرق تسد. يأبى الله علينا إلا أن نتحد. ويأبى الرسول علينا، ويأبى إيماننا علينا. وتأبى أخوتنا علينا، وتأبى مصلحتنا جميعاً وإننا في مركب واحد، إما أن ننهض جميعاً أو تضيع جهودنا ومنجزاتنا.

 

 صوت العقل حذار أن يضيع في ضجيج الغرائز وهياج التوحش! وكنت في الحلقة السابقة استعرضت الآية الكريمة من سورة آل عمران: «واعتصموا...» واستخرجت من سياقها هناك إحدى عشرة قاعدة، ونكمل في هذه الحلقة سبعاً من القواعد فيصبح مجموعها ثماني عشرة. واتبعت هذه المستخرجات بما سميته: قواعد لتوحيد الأمة.

 

 نفعنا الله وإياكم ورزقنا الإخلاص، وجمع شمل الأمة: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم»

 

 2- بقية الملاحظات:

 12- الأعداء من أهل الكتاب يريدوننا أن نصاب بالداء الذي أصابهم، ولذلك نهانا القرآن أن نكون مثلهم إذ قال: «ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات..» وهؤلاء هم بيقين أهل الكتاب.

 

 13- لم يكتف القرآن بالأمر الإيجابي بالوحدة. فهناك أمر ثان يمكن أن نطلق عليه: التوجيه في بعده السلبي، أي بالنهي عن الفرقة. والفرقة قد تنشأ من عوامل سلبية. أقصد دون تخطيط لإحداثها، لكن الوحدة تحتاج إلى عمل إيجابي وتخطيط وتدبير ومشروعات.. فالمرض لا يحتاج إلا إلى الإهمال.

 

 14- قوله تعالى: «وما الله يريد ظلماً للعالمين» فيه معنى التحذير، أنكم إن وقعتم في أحابيل الفرقة، وتركتم حبل الاعتصام والمعتصَم، فهذا حصاد أيديكم لا أن الله يريده لكم، فالله لا يريد بكم ولا منكم ولا لكم إلا الخير، فإن كان بخلافه فراجعوا أنفسكم. «ولا يظلم ربك أحداً»

 

 15- عبر في جانب الاختلاف بوصفين: التفرق والاختلاف، فقال: «تفرقوا واختلفوا» ليدل على أنهما شيئان ومرحلتان: الفرقة تجر إلى الاختلاف وتجر الاختلاف. فالمشكلات تتوالد وتتناسل!

 

 16- موضوع عوامل الوحدة طرحته أو عرضته هذه الآيات، لكنه بالقطع قد عرض في غيرها من المواطن والسور، فمن أراد أن يلم بالموضوع من أطرافه فعليه أن يقرأ القرآن كلاً، ويركزَ نظره على هذا المعنى المهم: «عوامل الوحدة وعوامل الفرقة كما بينها القرآن الكريم»، وسيخرج معك بالنظر بحث مهم وسفر قيم. وفقنا الله وإياك.

 17- يستعمل القرآن أسلوب: «الكلام للجارة ولتسمع الكنة»، أو «إياك أعني واسمعي يا جارة!» أقصد أنه في حديثه عن أهل الكتاب وما حل بهم من نصب وعذاب كان سببه ما صنعت أيديهم فهو – ضمناً- يحذر من أن تنهج أمة الإسلام نهجهم وتحذو حذوهم، فقال عنهم بعد ضرب الذلة: «وضربت عليهم المسكنة، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون»، فالمسكنة، والذلة قبلها، ثمرة مرة لكفرهم، وهذا بدوره أثمرته معصيتهم وعدوانهم. فقد بدأت الأمور بالصغائر وانتهت بالعظائم والكبائر. فاعتبروا. ويا أمة فلنحاذر!

 

 18- النهاية السعيدة في ختام الآيات، وهي تبشير ضخم للمؤمنين، بأن ليس يضرهم كائدوهم، بل إنهم سيدخلون في دينهم. وقد ذكر السياق لهم نفس صفات المؤمنين وفي غرتها «يؤمنون بالله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»، ولاحظ هنا أن السياق قدم يؤمنون بالله لأنه يتكلم عن أناس متحولين من أهل كتاب كافرين بكتابنا إلى جزء منا وهذا مدخله الإيمان. فسبحان من هذا كلامه.

 ولاحظ «ويسارعون في الخيرات»، فإن السياق التالي بعد 18 آية سيبتدئ بـ»وسارعوا..» 133. وكذلك «والله عليم بالمتقين»، فقد مرّ خطاب المؤمنين: «اتقوا الله حق تقاته..»

 

 3- آيات تحذر من الفرقة.

 • «قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم، أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض..» الأنعام65.

 

 • قال تعالى: «وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين» الأنفال46.

 والآيات كثيرة جداً وليست هذه فحسب، وقد مرّ قسم آخر في ثنايا هذا المقال.

 

 وكما قال هيكل وكلمته تصلح أن تكون معنى مقتبساً من ظلال الآية يقول: «أسوأ أنواع الحروب الحرب الأهلية لأن الناس يتحولون فيها إلى وحوش والمجتمع غابة..».

 

 4- اللَّعب على وَتَر العصبيّة الضيقة.

 هذا التهييج الغرائزي، والتوتير بدافع العدوانية والتمزيق، ورد الناس إلى الجاهليات النتنة الضيقة التي تجاوزها الدين والتاريخ والناس.. من شأنه أن يدمر اللحمة، ويدع المجتمع والوطن في مهب الريح.

 

 ماذا نستفيد من تمزيق لُحمتنا وإضعاف وحدتنا؟ في الوقت الذي نجد عدونا يستجمع قواه من كل أصقاع الأرض ولملم من روسيا مئات ألوف أصبح منهم وزير خارجيتهم «ليبرمان»، وفيهم من الفلاشا ومن اليمن ومن العراق ومن مصر ومن المغرب ومن تونس ومن ليبيا ومن كل أنحاء العالم انصهروا في وطن اغتصبوه منا.

 

 في الوقت الذي يحرشون فيه العداوات بيننا لنظل ضعفاء، ويظلوا هم أقوياء بل يزدادوا قوة على قوة.

 ألا فليعلم العازفون النغمة النشاز المؤذية على أوتار العصبية والغرائزية أن ارتداداتها أخطر مما يتوقعون.

 إنك تملك أن تشعل حريقاً لكنك لا تملك أن تحدد إلى أين يصل. فقد يصل عقر بيتك. العصبية لن تتوقف عند حد. والتمزيق والتقسيم لا يرتدع ولا ينثني حتى يأتي على كل عرق حي.

 

 أغرى اليهود مع بعض المنافقين في المدينة نيران العصبية فهبت ريح السَّموم نتنة الرائحة حارقة، فتنادى القوم: «يا للأوس ويا للخزرج. يا لثارات الآباء» فجاء النبي فأطفأ النار صلى الله عليه وسلم وقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم»؟

 ويوماً أهاجوها سموماً باتجاه آخر فتنادى الناس: يا للمهاجرين ويا للأنصار! وأطفأها كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردنا إلى الرابطة الجامعة والآخرة الواحدة: الأخوة في الله الواحد!

 

 العصبيات الضيقة كلما هيجتها زادت ضيقاً. ألم يقتل الأخ أخاه كما في قصة ابني آدم. أو لم يتآخى المهاجرون والأنصار مع اختلاف الأصول والمنابت. ما الذي أخرجنا من الأندلس؟ ما الذي فكك حضارتنا وردنا إلى الدرك الأسفل؟ لقد كان للعصبية دور كبير في كل ذلك.

 

 العصبية إفلاس فكري وأخلاقي وقصر نظر وتقويض المصالح العليا للوطن بدعوى الحرص عليه.

 ألا فلتكبر اهتماماتنا ولتتحد ولاءاتنا ولنزد تضحياتنا لبناء الأردن الأحلى والأعلى والأجمل شامة البلدان ودرة المجتمعات!

 

 5- قواعد لتوحيد الأمّة.

 1- توحيد الإله ثمرته توحيد الأمة، فهما مرتبطان لا ينفكان، ومن أضاع التوحيد (توحيد الأمة) أضاع التوحيد (توحيد الإله). واقرأ إن شئت قوله تعالى: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، «وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون»، وهل لاحظت أن النص الكريم قدم توحيد الأمة في الذكر، وإن كان توحيد الله هو الأساس بالطبع في وحدة الأمة. كأنما ليقول لنا: إن توحيد الأمة يحرس التوحيد في الأرض، بحيث إذا هدد.. هدد. أي إذا تهددت وحدة الأمة تهدد التوحيد. وهذا قوله تعالى في آخر سورة الأنفال: «والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، والكلام هنا يطول والشرح والتفصيل يحتاج إلى وقفة أطول.. فنكتفي بهذا. والفتنة إنما هي زلزلة الدين والعقيدة والتوحيد!

 

 2- الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم رحمة الأمة ورحمة الإنسانية شاء الله أن يكون أعظم الخلق بأعظم المواهب وأرفع الأخلاق، ليكون الشخصية الجامعة للأمة لأن الناس لا تجتمع إلا على كبير.

 

 3- العبادات والأركان كلها فرائض تعزز الوحدة وتقوي الروابط واللحمة والوشائج وتشد العروة الوثقى بين الناس. فالصلاة جامعة والصيام كذلك والحج مؤتمر الأمة السنوي الحاشد، والزكاة شريان الحياة وعنوان التكافل.. فماذا تقول في دين يجعل صلاة الجماعة سبعاً وعشرين درجة في الأفضلية على صلاة الفذ أو الفرد؟

 

 4- النظام الاجتماعي عامل من عوامل تعزيز الوحدة، والله سمى هذه العلاقة «نسباً وصهراً»، فهو سبب يصل العلاقات ويصهر الأمة في بوتقة واحدة. فكم عظيم أن يكون لشعب مصر بالإسلام في بذرته الأولى ونواته الأولى علاقة، لا كما يردد صبيان التغريب، أن العرب محتلون فرضوا لسانهم وثقافتهم وبداوتهم وعاداتهم على مصر العراقة والحضارة (لست أتخيل، راجع خليل عبد الكريم، وأفضل ألا تراجع حتى لا تراجع!). ولذلك أصهر لنبيه عليه الصلاة والسلام لأقرب أصحابه: الصديق والفاروق، وأعطى للخليفتين الآخرين: عثمان وعلي.. وهكذا لو جئنا نستعرض كل حالة لوجدنا المعنى الوحدوي التوحيدي جلياً، فبنت أبي سفيان وبنت زعيم المصطلق، وبنت زعيم اليهود.. وهكذا.

 

 5- نهى الإسلام العظيم عن تشتت الولاء فجعله لله ورسوله والمؤمنين. وجعل الولاء جوهر الدين وعموده المستقيم، فلا يستقيم تدين إذا لم يستقم الولاء: «ومن يتولهم منكم فإنه منهم». فموضوع الولاء أهم عوامل الوحدة، فإن ضيعناه ضيعنا الوحدة. وإن تشتت الولاء، كما هو الحال، أمريكي وبريطاني وفرنسي، الخ.. فأصبح الجمع شبه محال، حتى يعود الولاء إلى سالف الحال. والولاء الجامع الكبير هو القادر والجدير بلم شمل الأمة والولاءات الضيقة تضيع المعنى الجامع والإطار الواسع.

 

 6- حرم الإسلام العظيم كل ما من شأنه أن يعكر صفو المجتمع ووحدته وشمله الملتئم من جرائم قتل وسرقة وزنا وربا وظلم وغدر وخيانة وغيبة ونميمة وتجسس وقذف وظن السوء والشك والمنّ والحسد والبغضاء والحقد والضغينة، والتمييز والسخرية والهمز واللمز والغمز والغش..الخ. لأن هذا النسق من التشريعات والتوجيهات والأدبيات، وهذا النظام القيمي المتناغم المتلائم الشامل المتكامل هو أهم أو من أهم عوامل الوحدة. ونقيضه بالنقيض.

 

 7- إعمال العقل من أهم عوامل الوحدة، وإهمال العقل وإحلال العصبيات والغرائزيات والحيوانيات والغضب والانتقام والاعتداد الزائد والزائف والأنا المتضخمة وجنون العظمة وسائر صور الطغيان والعقد والأمراض النفسية والاستئثار والتكبر، وهي كلها ملغيات أو معطلات معيقات للعقل من شأنها أن تنحط (أي هذه الغرائز) بالعقل وتبدد قوته وفاعليته، وتعيد الإنسان إلى غابيته وحيوانيته وغرائزيته.. ومطلوب منا أنسنة الإنسان والارتقاء بالإنسان، ليتم التوصل إلى توحيد الأمة من خلال صقل اللبنات.. وشحذ الطاقات، وإزاحة المعوقات.

 

 أيها الأحباب الوحدة أخذ بالأسباب وجهد من أولي الألباب وهذه بعض القواعد من هدي الكتاب.. هدانا الله إلى الصواب.