الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 08:45 ص

مقالات وآراء

الرجاء القاتل

حجم الخط

 إن الرجاء الصادق مقام جميل لطيف، يهوّن السير على العابدين، ويحث الكسالى على السير السريع، بل لولا الرجاء لما سار إلى الله تعالى أحد، فإن الخوف وحده لا يُحرِّك العبد, إنما يُزعجه، ثم الحب هو الذي يحركه, والرجاء يجذبه، "ولولا روح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح، ولما تحركت الجوارح بالطاعة، ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات".

 

 ومن فوائده: إظهار العبد عبوديته إلى ربه وما يرجوه ويستشرفه من إحسانه وبره، وأنه لا يستغنى عنه طرفة عين.

 ومن فوائده: التلذذ بالعبادة، فشتان ما بين عمل المحب الذي يرجو الثواب ويستلذ بالعمل، وعمل الأجير الذي يتمنى الانتهاء من عمله، والتخلص في أقرب فرصة مما يكابده فيه من مشاق.

 

 ومن فوائده: أنه سبحانه يحب من عباده أن يرجوه ويسألوه لأنه الملك الجواد، والجواد فوق الكريم، وإن أحب ما إلى الجواد: أن يُرجى ويُسأل، وفي الحديث: "من لم يسأل الله؛ يغضب عليه"، والسائل راجٍ وطالب، فمن لم يرجُ الله يغضب عليه.

 ومن فوائده: أن الرجاء يطرح العبد على عتبة المحبة، فإنه كلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه؛ ازداد حبًّا لله تعالى، ثم رضي به وعنه.

 

 ومن فوائده: أنه يبعثه على مقام الشكر الذي هو خلاصة العبودية.

 ومن فوائده: أن فيه انتظاراً دائماً وترقُّباً لفضل الله تعالى، وذلك ما يوجب  تعلُّق القلب بذكره، ودوام الالتفات إلى أسمائه وصفاته، وتنزه القلب في رياضها الأنيقة، وأخذه بنصيبه من كل اسم وصفة.

 

 أنواع الرجاء الثلاثة

 لكن الرجاء ليس نوعاً واحداً، إنما هو أنواع ثلاثة: نوعان محمودان، ونوع مذموم.

 فالأول: رجاء من عمل بطاعة الله فهو يرجو ثوابه.

 والثاني: رجاء رجل أذنب ثم تاب واستغفر، فهو راجٍ مغفرة الله وعفوه.

 

 والثالث: رجل متمادٍ في التفريط والخطايا؛ يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا أكذب الرجاء، وهو رجاء أهل الإساءة والعصيان.

 والرجاء الصالح هو أن تسبح بشدة ذراعيك نحو اليابسة، وأما الأماني والرجاء الكاذب فهو أن تنظر حتى تسبح اليابسة نحوك.

 لذا؛ كانت العلامة الفارقة بين صحيح الرجاء وباطله؛ ما قاله إسماعيل الكرماني: "علامة صحة الرجاء: حسن الطاعة".

 

 وعدّها أبو عثمان الجيزي علامةً فارقة كذلك بين السعادة والشقاء حين قال: "من علامة السعادة أن تُطيع وتخاف أن لا تُقبل، ومن علامة الشقاء أن تعصي وترجو أن تنجو".

 

 وهو أمرٌ واضحٌ في كتاب الله، لكننا يبدو أننا كثيراً ما نقرأ كتاب ربنا بعينين عمياوين!! قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله{ (البقرة: 218)، فطوى الله سبحانه بساط الرجاء إلا عن هؤلاء العاملين المُجدّين.

 فإذا قالت لك النفس المخادعة: أنا أرجو رحمة الكبير المتعال؛ فطالبْها بالبرهان، وقل لها: }قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين{..