الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 12:08 ص

مقالات وآراء

فاطمة ودروس مكافحة الفساد

حجم الخط

في زيارة للمقبرة، بيت الغربة والوحشة الذي أمرنا الله أن نزورها للعظة وبرا بأهلنا وأخوتنا وتذكرة لنا أنّ مآلنا جوارهم بعد أيام تطول أو تقصر.

 

 في المقبرة لاحظت ابنتي فاطمة أنّ معظم القبور تشبه بعضها بعضا وتتجاور لحد الازدحام في مساحة مفتوحة، غير قلة منها في أعلى المقبرة مغلقة بأبواب حديدية ومسوّرة بأسوار داخل المقبرة وتحمل يافطات باسم آل فلان وآل فلان، فسألتني: لماذا للعائلات الغنية مقابر لوحدهم منفصلة عن بقية المقبرة؟! لا أدري كيف أدركت ابنتي الطفلة ذات العشرة سنين هذا المعنى الطبقي لكلمة العائلة مع أنّها في المنهاج الدراسي تدرس المعنى الاجتماعي والحميمي لكلمة العائلة؟! كيف يدرك الأطفال في مدرسة الحياة أنّ هناك تمايزا بين الناس؟ وأنّه بالرغم من أنّ كل الناس يحملون اسم عائلة كآخر اسم في أسمائهم إلاّ أنّ هذه الأسماء ليست سواء، وأنّ لها أوزانا مرئية وغير مرئية، وأنّ هناك عائلات من فصيلة الخيار وأخرى من فصيلة الفقوس!

 

 حتى في المقبرة، حيث يُسدل الستار على الأسماء والمقامات لا ينفك المجتمع يعلّم حتى الأطفال أنّ المال يشتري كل شيء حتى القبر الباذخ! ولكن دون أن يخبرهم ببقية الحكاية عن اختلاف الناس أيضا داخل القبور، حيث قد يسبق أصحاب القبور المهلهلة أصحاب القبور الفاخرة، وربما يكون الأشعث الأغبر المدفوع بالأبواب يتنعّم في قبره بروضة من رياض الجنة بينما يكون القارون الغني في أسفل سافلين.

 

 كان من السهل أن أردّ على هذا التساؤل الطبقي لفاطمة فقلت لها: هل تعرفين ناصر الخرافي؟ فقالت من؟ ولم تعرف كيف تلفظ اسمه! قلت لها: الخرافي، كان من أغنياء العرب والعالم و ثروته تقدّر ب14 مليار دولار، طبعا فاطمة تعدّ فقط مئات الآلاف وتعرف المليون بالاسم، ولما مات كان قبره حفرة في الأرض غير مرتفعة وبلا شاهد ولا معلم كمعظم قبور أهل الخليج ولا شيء ينبّئ عن صاحب القبر ولا مكانته ولا ثروته، قبره كان بنفس الهيئة والمقاسات واللحد كأفقر واحد من أهل الدنيا لم نسمع به.

 هو ذات الدرس علّمه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للسيدة فاطمة يوم أخبرها أنّ نسبها إليه وكونها من عائلته لن يغني عنها من الله شيئا إلاّ بتقواها وصلاحها.

 

 هو ذات الدرس تعلّمته بنفسها يوم رأت الصحابة قافلين من جنازة المصطفى، فطفقت تقول لهم "أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على وجه رسولكم؟"، وعرفت أنّ أعظم الخلق وخير ولد آدم قد صار إلى نفس ختام البشر ولو كان أحد ينجو منها بمكانة أو منزلة أو بسبب أو تفضيل لنجا من الموت سيدنا محمد وفُضّل على العالمين.

 

 في طريق العودة إلى المنزل ازدحم الشارع العريض، فقد كان نصفه قد اقتُطع لمشروع الباص السريع، الذي رأت فاطمة خطوات إقامته حفرا وتمهيدا وتزفيتا وتشجيرا كما رأت الحمير البطيئة تمشي فيه بدل الباصات السريعة إلاّ أنّ الدرس كان أيضا حاضرا، فأمين عمان أصبح متهما خلف القضبان، وكذلك صاحب شركات باصات المتكاملة وغيرهم من صغار المفسدين في مؤسسات القطاع العام.

 لم يتضارب ما تتعلّمه فاطمة في مناهج وزارة التربية والتعليم عن فضائل الأمانة والصدق والعدالة مع ما تراه الآن على أرض الواقع! علي بابا لم يسرق ويهرب! علي بابا سرق ونال جزاؤه والمغارة ما زالت مليئة باللصوص.

 

 كان سهلا في هذا الموقف حيث أسماء العائلات سبقت أيضا ولكن في سجل الفاسدين، أن أذكّر فاطمة بحديث الرسول، وكان يسيرا عليها أن تفهمه "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ولا باصه السريع!

 

 قبل العودة إلى البيت عرّجنا على أحد المحلات فاشترينا علبة حمص كان مكتوبا عليها حمص ملوكي فضحكت وقلت: الفساد والطبقية وصلت إلى الحمص؟! وهل هناك حمص أميري وحمص وزاري وحمص نيابي وحمص بلدي؟! عرفت أنّ للحمص مقاما لا يعرفه إلاّ أصحاب المقامات، ولذلك احتفل به صلاح جاهين وخلّده في أوبريت الليلة الكبيرة كأحد المواضيع المهمة، مع أنّ الحمص والفول والعدس معروفون بأنّهم غذاء الفقراء ولكنك لن تجد حمصا باسم حمص الفقراء، فلا أحد يباهي بالفقر ولا عزاء للمساكين!

 ولم أجد درسا أعلّمه لفاطمة هنا وأنا أقرأ عن احتمال ارتفاع بعض أسعار المواد التموينية والمحروقات، إن كان جيلنا أكل الحصرم والصبار والمرار فليس على الجيل الجديد أن يعيشوا نفس تجربتنا ويمشوا على خطانا، ليس عليهم أن يرثوا خيبة آمالنا، ليس عليهم أن يعيشوا حياتهم بأعين عمياء وألسنة خرساء وآذان صماء وأجسام عرجاء تمشي الحيط الحيط وتهرب من الشرطي دون سبب أو تهمة، أكبر عقوق أن نورّثهم خوفنا وخزينا وتقاعسنا.

 لن نكذب عليهم ونجمّل الصورة بل سنقول لهم كما قال الشاعر:

نحن آباؤكم فلا تشبهونا

نحن أهل الحساب والجمع والطرح فخوضوا حروبكم واتركونا

إننا الهاربون من خدمة الجيش فهاتوا حبالكم واشنقونا

نحن موتى لا يملكون ضريحا ويتامى لا يملكون عيونا

حررونا من عقد الخوف فينا واطردوا من رؤوسنا الأفيونا

 الأطفال يتربّون بالقصة والقدوة، فهل سنجد في حاضرنا قصصا نرويها عن عدل القاضي واستقامة المسؤول وأمانة الموظف؟

 ويبقى الأمل بالله كبيرا.