شكّل تنفيذ المرحلة الثانية من صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس والكيان الصهيوني مناسبة لأن تنشغل أروقة صنع القرار والمعارضة والنخب المثقفة بالاستخلاصات التي يتوجّب على «إسرائيل» الوصول إليها بعد إتمام صفقة تبادل الأسرى وطيّ ملف الجندي الذي أسرته حركة حماس جلعاد شليت. إنّ هناك إجماع صهيوني بعد الصفقة على ضرورة العمل على عدم السماح بتكرارها بحال من الأحوال، على اعتبار أنّ مثل هذه الصفقات يمس بقوة الردع الإسرائيلية ويدفع الفلسطينيين لمواصلة عمليات الاختطاف من أجل ابتزاز «إسرائيل» ودفعها لإطلاق سراح المزيد من الأسرى. واعتبر نائب رئيس الوزراء ووزير التهديدات الاستراتيجية موشيه يعلون، الذي سبق له أن عارض تنفيذ الصفقة خلال التصويت عليها في المجلس الوزراي المصغر لشؤون الأمن، أنّ مثل هذه الصفقات تزيد من دافعية حركات المقاومة الفلسطينية على مواصلة النضال ضد «إسرائيل»، مما يؤدي للمس بالأمن الشخصي والعام الإسرائيليين، وقال يعلون أنّه من أجل تحرير جندي إسرائيلي، فإنّ «إسرائيل» تخاطر بإطلاق «أكثر القتلة قسوة، وهذا يحمل رسالة واضحة للفلسطينيين أنّه بإمكانهم الرهان على الإرهاب لتحقيق أهدافهم، التي على رأسها تدمير إسرائيل». واستهجن يعلون ألاّ يلتفت زملاؤه في الحكومة للمخاطر الهائلة الكامنة في مثل هذه الصفقات. وقد واصل رئيس جهاز المخابرات الداخلية (الشاباك) السابق يوفال ديسكين مهاجمة الصفقة بعد استكمالها، معتبراً أنّها تمس بالأمن القومي الصهيوني، وحذّر ديسكين الجمهور الصهيوني من أنّه سيدفع ثمناً كبيراً لقاء تنفيذ هذه الصفقة، وألمح ديسكين أنّ موافقة الحكومة الإسرائيلية على الصفقة يمثّل في الواقع «خيانة» لضباط وعناصر جهاز «الشاباك» الذين بذلوا جهود مضنية وهائلة في تعقُّب المقاومين واعتقالهم والتحقيق معهم وإقناع المحاكم العسكرية بإصدار أحكام عالية بحقهم. ومن أجل إضفاء صدقية على ادّعاءاتهم بأنّ صفقة التبادل مسّت بالأمن القومي الصهيوني، فإنّ قادة المخابرات الصهاينة السابقين يشيرون إلى العديد من المعطيات ذات الدلالة، حيث يؤكد ديسكين أنّ أكثر من 30 في المئة من الأسرى الفلسطينيين الذين أطلق سراحهم في صفقات التبادل السابقة عادوا للعمل في المقاومة ضد «إسرائيل»، مؤكدا أنّ عدداً كبيراً من الأسرى الذين أطلق سراحهم في صفقة التبادل الأخيرة بعد اعتقلوا بعد أن أفرج عنهم في صفقات سابقة، بعد أن تبيّن بالدليل القاطع أنّ لهم دوراً في العمل المقاوم.
معايير جديدة
اللافت أنّه حتى الوزراء الذين أيّدوا صفقة التبادل مع حركة حماس يطالبون حالياً بشكل واضح بتحديد معايير محددة لإطلاق سراح الأسرى بحيث لا تؤدي مثل هذه الصفقات للمس بأمن «إسرائيل» وتشجع حركات المقاومة على مواصلة محاولة اختطاف المزيد من جنود الاحتلال. وقد شكّلت «إسرائيل» بالفعل لجنة برئاسة أحد قضاة المحكمة العليا وذلك لتحديد المعايير التي يتوجّب على «إسرائيل» الالتزام بها عند الموافقة على أيّ صفقة تبادل في المستقبل. وحسب التسريبات الإسرائيلية، فإنّ اللجنة قد أنهت عملها بالفعل، وقررت أنّه يتوجّب على أيّ حكومة إسرائيلية في المستقبل أن تطلق سراح أسير فلسطيني واحد مقابل كل جندي إسرائيلي يتم اختطافه، لكن المعلّقين الصهاينة سخروا كثيراً من مقررات هذه اللجنة، وقال نداف إيال الكاتب والصحافي في صحيفة «معاريف» أنّ مثل هذه التوصية لا يمكن لأيّ حكومة إسرائيلية مهما كانت متشددة الالتزام بها. وأضاف: «لنفترض أنّ الفلسطينيين تمكّنوا من اختطاف جندي إسرائيلي في المستقبل، هل سيكون بوسع الحكومة الإسرائيلية أن تقول لعائلته أنّ أكبر ثمن يمكن أن ندفعه هو إطلاق سراح معتقل فلسطيني بدلاً منه، عندها فإنّ عائلة الجندي ستقول للحكومة ولرئيسها: إذن لماذا أطلقتم سراح 1000 أسير فلسطيني مقابل جلعاد شليت»، ويجزم إيال أنّ صفقة تبادل الأسرى مع حركة حماس قد أصبحت سابقة، وبالتالي فإنّ أيّ جندي صهيوني سيختطف في المستقبل، ستكون «إسرائيل» مطالبة مقابله بالإفراج عن نفس العدد من الأسرى الفلسطينيين الذين أطلق سراحهم مقابل شليت.
إنّ أكثر الأطراف الإسرائيلية التي أولت اهتماماً بمسألة استخلاص العبر من اختطاف شليت والصفقة التي أدّت إلى إطلاق سراحه، كان الجيش الصهيوني، الذي بات مطالباً بالعمل على أخذ كافة الاحتياطات اللازمة لمنع عملية الاختطاف. وقد توصّلت هيئة أركان الجيش الإسرائيلي إلى استنتاج مفاده أنّه يتوجّب العمل على منع عملية الاختطاف القادمة بأيّ ثمن وبأيّ وسيلة، وقد أجرى الجيش الإسرائيلي تدريبات حول منع عمليات الاختطاف، كما أنّه اتخذ العديد من الخطوات التي اعتبر أنّها تقلّص من قدرة المقاومة على خطف الجنود، وضمن ذلك تحصين المواقع العسكرية التي تقع في محيط قطاع غزة والحدود مع مصر، على اعتبار أنّها المناطق التي يمكن أن يتمكّن المقاومون عبرها من مباغتة الجيش الصهيوني واختطاف جنود. لكن مما لا شك فيه أنّ أخطر قرار اتخذه الجيش هو العمل على منع عمليات الاختطاف ولو بثمن التضحية بالجندي الصهيوني الذي تحاول المقاومة اختطافه. فعلى سبيل المثال لو قامت المقاومة باختطاف جندي ما وعلم بذلك الجيش، فإنّ على أيّ قوة إسرائيلية تتدخل لإنقاذ الجندي منع المقاومين من اختطافه ولو تطلّب الأمر قصف الخاطفين، مما يؤدي إلى مقتل الجندي المختطف. اللافت أنّ الكشف عن هذه التعليمات لم تؤد إلى ضجة داخل «إسرائيل» على الرغم من أنّها تمثّل سابقة في تاريخ الحربية الإسرائيلية، تحديداً فيما يتعلّق بالكشف عن التعليمات والتصريح بذلك. لكن في حال نجحت المقاومة الفلسطينية في اختطاف جندي صهيوني بالفعل، فماذا يتوجّب على الجيش الصهيوني فعله؟ حسب التوجهات الجديدة لدى قيادة الجيش، فإنّ «إسرائيل» مطالبة عندها بالرد بشكل غير متناسب وبشكل يفوق ردة الفعل الإسرائيلية على اختطاف حزب الله لاثنين من الجنود في صيف عام 2006 واختطاف حماس شليت في نفس العام، أيّ أنّ الجيش الإسرائيلي سيطالب القيادة السياسية بالسماح له باستهداف التجمعات المدنية الفلسطينية من أجل ممارسة الضغط على الفلسطينيين لإرغام حركات المقاومة على تسليم الجندي المختطف.

