الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الساعة 03:12 م

مقالات وآراء

الواقعية السياسية وفن الممكن

حجم الخط

يختلف تعريف السياسة من مدرسة إلى مدرسة، ومن حقبة تاريخية لأخرى؛ إلا أن التعريف الدارج يكون مصاحب للقوة المسيطرة في منطقة معينة، أو للحضارة السائدة في فترة زمنية بعينها.

في المرحلة الحالية تسيطر أمريكا وما تحمله من أفكار على غالبية دول العالم؛ كونها الدولة الأقوى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واستفرادها بقيادة العالم، ولو بشكل مؤقت، يطول أو يقصر.

ابن خلدون يقول في مقدمته:" القوي يتبعه الكثيرون لمجرد أنه قوي". ومن طبائع الأشياء أن يكون القوي – قوة شريرة أو خيرة- يحمل أفكار يريد من الآخرين أن يحملوها وينشروها بمختلف الطرق، لأن الضعيف لا يقلده ولا يقتدي به أحد، ولا يرغب إليه أيا كان، حتى لو كان صاحب فكر سياسي متطور، ومنطق قوي، وهو نادر الحدوث.

يمكن تعريف الواقعية السياسية بأنها "الممارسة السياسية المستندة إلى القراءة الموضوعية العلمية للواقع، بهدف التعامل مع الواقع بحكمة، وبما هو معلوم وموجود؛ بقصد تحويله وتغيير معطياته بما يوجد واقعا آخر مختلفا بشكل أفضل".

فالواقعية السياسية هي عملية توفيق خلاقة ومعقدة بين متناقضات على ضوء ما هو معلوم وملموس، وتوظف المعرفة في كشف أسرار الواقع واتجاهاته.

يروج كثيرون – خاصة في دول العالم الثالث- ويعرفون السياسة بأنها فن الممكن، ويعرفون أنفسهم بأنهم أصحاب المدرسة الواقعية التي تدعو للاعتراف بالواقع السياسي والتعامل معه كما هو، دون التحليق في عالم النظريات والأحلام والأوهام.

مؤيدو مدرسة فن الممكن، يقولون إنهم يتعاملون مع الواقع وبما يحويه من موازين قوى بعقلانية، ويستدلون على ذلك بأن الانحناء للموجة العاتية والقوية أفضل من التصدي لها؛ لأنه في المحصلة لا يمكن إيقافها. فلا حكمة في هدر الطاقات بشكل مجاني دون نتيجة تذكر، أو عدم تحقيق الأهداف المرجوة.

المرونة، والموضوعية، ودراسة الإمكانيات المتاحة والتعاطي معها، وعدم الانجرار وراء الخطابات الحماسية، وعدم بعثرة الشعارات البراقة، التي تضر ولا تنفع؛ كل ذلك يمكن له أن يعيد الحقوق لأصحابها بحسب منظري مدرسة فن الممكن، لضمان عدم تقديم تضحيات مجانية.

الواقعيون في هذه المدرسة رأوا – وما زالوا – أن أفضل وسيلة للتعامل مع تصارع القوى؛ هو التعامل معها دون التصادم، في حال كانت موازين القوى لا تلعب لمصلحتهم ، وهذا يقود بالتالي إلى الانصياع، أو التفاوض، أو التحايل على القوة المسيطرة، بدل مجانية التضحيات والتصدي لها بشكل عبثي وعلني متهور.

محاججة هذه المدرسة تقوم على أن ميزان القوى الحالي هو لمصلحة دولة الاحتلال ذات الرؤوس النووية، والمدعومة من قبل الغرب وأمريكا، وهو ما يجعلها تصول وتجول، وعندما تتغير الظروف، وقتها يكون لكل حادثة حديث.

الواقعية السياسية تعني التفكر والتدبر، والإعداد والتخطيط الجيد قبل القيام بفعل محسوم النتائج. وبنظر هذه المدرسة فإن اتخاذ قرار مواجهة الاحتلال غير ممكن، وما هو إلا ضرب من الجنون والانتحار السياسي، يتحمل نتائجه تاريخيا من اتخذ القرار دون التبصر والتمعن الكافي وبشكل عميق ومدروس في معرفة العواقب المترتبة عليه مسبقا.

ويردون على منظري المدارس الأخرى، والمختلفين معهم في تعريف السياسة، أنهم قد استبد بهم وأعياهم طول وقت الانتظار، وتعايشوا مع اللحظة العابرة، بأنهم هؤلاء جميعا يحلقون كثيرا في الأوهام، وأن خطاباتهم ووسائلهم وأساليبهم ما هي إلا دغدغة للعواطف، وتصلح للعوام ولجموع الناس العاديين البسطاء سطحيي التفكير.

الصيرورة التاريخية تشير إلى أن التغيير والتبديل من سنن الكون وجدليته، وهو ما يردون عليه: هذا في حالة وجود قوة أكبر من الموجودة حاليا، لذلك يبررون لأنفسهم احترام خصوصيات الوضع القائم، والواقع الراهن.

تتعامل مدرسة فن الممكن بما هو موجود وحاصل، وبالتالي تبتعد قدر الإمكان عن سنة التدافع وحالة الجدل؛ وهو ما قد يقود لبطء حركة التغيير، ويردون على ذلك بأن التغيير ليس شرطا أن يوجد الأفضل؛ بل قد يوصل للأسوأ مما كان في السابق.

ما جرى في دول عربية من سرعة التغيير والتبديل لزعماء ظن الكثيرون ومنهم منظرو مدرسة فن الممكن أنهم قدر لا مفر منه، وما جرى من انسحاب أمريكي من العراق، وما جرى في جنوب لبنان وغزة قبل ذلك، كل ذلك شكل ضربة قوية وفشلاً ذريعاً لمدرسة فن الممكن وحشرها في الزاوية، وهو ما يشير إلى ضرورة مراجعة أفكار هذه المدرسة من جديد، وما هم بفاعلين.

من يسقطون فن الممكن على الواقعية السياسية، يرون إن الحقيقة لها عدة أوجه، وبالتالي لا مفر من اختيار المناسب منها، والمناسب هنا هو حقيقة وجود قوة مهيمنة ومسيطرة، لابد من التعاطي معها.

من حق كل مدرسة أن تدافع عن نفسها وتطرح ما لديها من بضاعة، وتعززها بالدلائل والشواهد، وتدعم فكرها وطريقة فهمها للأمور، فلا حجر على الأفكار، ومن يبن أفكاره على أساس متين؛ يدم ويستمر وينتصر. وتبقى الأعمال بخواتيمها، وهو ما لا تجيب عليه بشكل كافٍ مدرسة فن الممكن.

وأخيرا يؤخذ على مدرسة فن الممكن ضعفها أمام المدارس الأخرى، خاصة المدرسة التي تعرف السياسة بأنها فن التغيير، والتي سنتناولها في مقال لاحق.