الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 02:01 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

«الكتاب»: حبل الله الممدود

حجم الخط

مقدمة للقراء: لما قرأت مقالة العدد السابق فوجئت بصغر الخط، وقلت في نفسي: لم أكتب مقالتي بهذا الطول حتى يصغر الخط هذا الصغر، وإذ بالطابع قد طبع إلى مقالتي مقالة جاري في الجريدة الدكتور أحمد المغربي فصار الحيز الواحد حيزاً لاثنين. فاقتضى الاعتذار!
 

1- مدخل.
في هذه السلسلة من المقالات: لغة وسياسة، نحاول أن نتكئ على المفردة لمعرفة كنوز معجمات اللغة العربية، وكم تحتوي هذه المحيطات من لآلئ وفرائد وجواهر ودرر، فاللسان ثروة وليس مجرد معاني مفردات، ثروة في وفرة معاني المفردة، فكلمة "حابل" كما رأيتم ستستغرق منا عدة حلقات قد تصل عشر بل تزيد، مما يدلك كم لغتنا غنية خصبة غزيرة حية جياشة كموج البحر.
أما "تاج العروس" فاسم على مسمى، فهو زينة بين القواميس وهو شرح "للقاموس"، جاء في كتاب "ندوة تاج العروس" التي انعقدت في الكويت سنة (2002) وطبعت الأوراق، أوراق الندوة، في هذا الكتاب الذي نشر سنة 2003، وجاء في التعريف بالكتاب، أعني تاج العروس، في مقدمة بدر الرفاعي:


"ربما تكمن عظمة بعض الكتب في قدرتها العجيبة على أن تكون لسان زمانها ونوراً يأبى إلاّ أن يظل ساطعاً، خاطفاً الأعين، وماساً الألباب، وحافزاً لمكانته حيثما وجد.
على مر العصور، سيبقى "تاج العروس" كتاباً يشكّل فخراً لكاتبه، مثلما يظهر درّ عوالمه، ونعني بذلك أخبار وأسرار اللغة العربية، وذاك الجمع الكبير المأخوذ بسحرها، والسائر في ركب إبداعها، والواهب عمره لخدمة بقائها.


إنّ "تاج العروس" بوصفه قاموساً معجماً عربياً محيطاً وجامعاً لعوالم لغتنا العربية الجميلة، ليكتسب أهمية بالغة ومتجددة في عصر أصبحت اللغة فيه عنواناً لتحضر الشعوب، ودليلاً معبّراً عن قدرتها على صوغ أفكارها كأجمل ما يكون البيان".


2- موارد كلمة "الحبل" في القرآن:
وردت كلمة "حبْل" مفردة (5) مرات، ثلاث منها في "آل عمران"، واثنتان في "ق" و"المسد"، وهذه هي:
1. "واعتصموا بحبل الله". 103 "آل عمران".
2. "ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلاّ بحبل من الله". 112.
3. "وحبل من الناس". 112.
4. "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد". 16 "ق".
5. "في جيدها حبل من مسد". 5 "المسد".
 

أما "حبالهم" بالجمع، فقد وردت في موضعين، وهما في حبال سحرة فرعون في سورتي طه والشعراء، فيصبح مجموع السور التي حوت هذه المادة إفراداً وجمعاً هو (5) سور، أما مجموع مرات ورود المادة فسبع مرات في خمس سور كما مر. جاء في طه: "فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنّها تسعى" 16. وفي الشعراء: "فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون" 44. وأن تذكر الكلمة سبع مرات في القرآن هذا يدل على حضور لا بأس به، وأن تذكر بغير الصيغة السافرة المكشوفة، بأن تذكر بالمعنى مرات أخرى فهذا يؤكد على الأهمية، وليس مصادفة أن يكون أول ورود لكلمة حبل هو قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله" ولو تأملت آية "واعتصموا"، أو لنقل تأمل سياقها قبل استجلاء معناها، تجد عجباً، فأولاً هي في سورة آل عمران سورة الاصطفاء الخاص: "إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض" 33-34، "يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين" 42، "يا مريم إنّ الله يبشرك بكلمة منه اسمه عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين" 45، "قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين" 95، "إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم" 97.


ثم انتقل إلى أهل الكتاب كأمة لا كأفراد مصطفين ممن ذكرنا، قال في أول آية بعد السياق السابق: "قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله" 98، "قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله" 99، فهم لا يكتفون بالكفر وإنما يتبعونه الصد عن سبيل الله من آمن.
 

ثم حذّر المؤمنين في الآية المئة من اتباع الذين أوتوا الكتاب، وأنّه يؤدي إلى الكفر والفرقة، ثم أمر المؤمنين بتقوى الله حق تقاته، 102.


ثم جاءت الآية محور الحديث وهي حديث عن اصطفاء أمة هي خير أمة على مدى الدهور والعصور، لكن قبل الحديث عن خيريتهم أمرهم بالاعتصام بحبل الله، لأن الاعتصام بحبل الله طريق الخيرية، ثم نهاهم عن التفرق "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا"، لأن هؤلاء ستسود وجوههم يوم القيامة. ثم قال السياق: "ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور" 109، "كنتم خير أمة أخرجت للناس" 110.


فهو أمر إلهي من صاحب الأمر الذي له ما في السموات وما في الأرض، أن تكونوا أنتم خير أمة ظهرت على وجه الأرض وأخرجت لهداية الناس. ولاحظ "أخرجت" كأنّها كانت كالشمس الغائبة ثم خرجت من وراء الأفق أو من وراء الغيم لتنير دروب الناس وتخرج الناس من الظلمات إلى النور. والخيرية مرتبطة بوظيفة الأمة مرهونة بها وهي أمر بمعروف على مستوى العالم ونهي عن المنكر كذلك، على كل الصعد السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، والشرط الأعظم "وتؤمنون بالله".
ثم عاد إلى أهل الكتاب الذين هم العقبة في وجه الخيرية، وأنهم ضربت عليهم الذلة، إلى آخر الآيات.


ومعنى الاعتصام بحبل الله التمسك بحبل الإنقاذ والنجاة، فما أشبه الناس بركاب في سفينة تتلاطم من حولها الأمواج، وتتقاذفها وهي تضطرب على سطح الموج العاتي، ثم ألقي من جهة عليا حبل نجاة وإنقاذ لركاب السفينة فمن تمسك به واعتصم فقد نجا وسلم. أرأيت إلى قصة نوح مع ابنه حين قال الولد، رداً على دعوة أبيه له لإنقاذه بالركوب معهم، قال: "سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رحم"، فالحبل عصمة واعتصام ومعتصم.
 

وهذا تعليق سريع على بعض الآيات التي لم نعلّق عليها ونقف عند: "في جيدها حبل من مسد"، قال عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن: "الجيد: العنق، والجيد من محاسن المرأة وفيه تضع المرأة أجمل ما تتزين به من حلي وجواهر. والمسد: الليف، أو ما يشبهه، مما تتخذ منه الحبال. وفي تعليق هذا الحبل في جيد أم جميل تصوير بليغ معجز لشناعة هذه المرأة وفي تشويه خلْقها، فما أبشع "جيد" امرأة كان من شأنه أن يتحلى بعقد من كريم الجواهر، يشد إليه حبل من ليف، إنّه إهانة وإذلال لها إذ كانت مشدودة لزوجها أبي لهب، بحبل من مسد كما كانت مشدودة إليه في الدنيا بحبل عداوتهما للنبي صلى الله عليه وسلم وحسدهما له، فركبت معه هذا الطريق، وعلقت فيه حبالها بحباله".
 

وقال الخطيب في كتابه إعجاز القرآن: "هذه الصورة التي صورها القرآن لأبي لهب وامرأته تسعى بين يديه أو من خلفه، موقرة بأحمال من حطب، أحمال ثقيلة مرهقة، تستعين على حملها بهذا الحبل المشدود إلى عنقها، وقد أحنت له ظهرها وانكشف منها ما كان من حقه أن يستر عن الناس، فكانت تنتقل في طرقات قريش على الملأ من قومها وقد شدت رقبتها بحبل من ليف يمسك من طرفه الآخر بحزمة كبيرة من الحطب، ألقت بها على ظهرها، فمشت هكذا مقوسة الظهر، ثقيلة الخطى، لاهثة الأنفاس. انظر كيف قامت "الكلمة" في هذا النظم المعجز بما لا تستطيع وسائل التصوير والإعلام والتعبير كلها متفرقة ومجتمعة أن تقوم به؟ إنّ هذا النظم الذي يجمع فيه القرآن بين "أبي لهب" وبين الحطب الذي تحمله امرأته، لا يمكن أن يقرأه قارئ أو يستمع إليه مستمع دون أن يستحضر هذه الصورة التي سبق بيانها في عرض هذا الشقي الجبار ومعه امرأته أم جميل في هذا المعرض المهين الفاضح!   
 

3- عود إلى اللسان.
قال اللسان: قال الأزهري في التعليق على الآية أو في تفسيرها وهي قوله تعالى: "إلاّ بحبل من الله وحبل من الناس"، قال: تكلم علماء اللغة في تفسير هذه الآية واختلفت مذاهبهم فيها لإشكالها، فقال الفراء: معناه ضربت عليهم الذلة إلاّ أن يعتصموا بحبل من الله فأضمر ذلك ومثله قوله:
 

رأتني بحبليها فصدّت مخافة
وفي الحبل رَوْعاء الفؤاد فَروق
أراد: رأتني أقبلت بحبليها فأضمر أقبلت كما أضمر الاعتصام في الآية. وروى الأزهري عن أبي العباس أحمد بن يحيى أنّه قال: الذي قاله الفراء بعيد أن تحذف أن وتبقى صلتها. (هل لاحظت كيف شرد المعنى منا في متاهة الخلافات اللغوية والحذف والإضمار والموصول والصلة. جميل أن نهتم باللغة، وليس جميلاً أن نتجمد في محيط اللغة ونحوّلها إلى معارك نظرية لا عائد من ورائها، وشغلنا ببيت الشعر. ثم قال: فأضمر أقبلت كما أضمر الاعتصام في الآية، وهو في نظري بعيد وعجيب، والمعنى أبسط من هذا التعقيد وأقرب من هذا "التبعيد"!)
قال اللسان: ولكن المعنى إن شاء الله: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا بكل مكان إلاّ بموضع حبل من الله، وهو استثناء متصل كما تقول ضربت عليهم الذلة في الأمكنة إلاّ في هذا المكان، وأعاد اللسان بيت الشعر، والاكتفاء. ثم نقل قول الأزهري عن الأخفش فقال: إلاّ بحبل من الله إنّه استثناء خارج من أول الكلام في معنى ولكن.
 

قال الأزهري: والقول ما قال الأخفش. (علماء لغة فحول أفذاذ يتحاورون في معنى الآية، ولكن ما يقولونه ليس للجمهور إنما لهم هم. أحببت أن تعرف حوار العلماء بمعزل عن التوصيل إلى العامة!) (والاستثناء الذي رآه إلاّ بموضع حبل من الله، لا أراه، وإنما الاستثناء من الضرب وليس معناه إلاّ موضع حبل)، والمعنى ببساطة فيما أرى: ضربت عليهم الذلة بمعنى طبعت طبعاً كما تضرب العملة فهي ملازمة لهم، وفي هذا تطمين للمؤمنين الذين جعل الله لهم الخيرية في الأمم وأنّ أهل الكتاب أعداء هذه الخيرية، لأن الآية جاءت وراءها، ولكن الله يطمئننا أن لا نهابهم، فقد ضرب مولانا عليهم الذلة وجعلها ملازمة. ولدقة القرآن استثنى ما كان منه سبحانه على أنبيائهم من إعزازه وتمكينه، ومن هم على نهج هؤلاء الأنبياء، وهذا انقطع عن بني إسرائيل منذ آلاف السنين، فبقي "وحبل من الناس" بتجنيد العملاء على مستوى العالم، فهم الآن يحكمون العالم عن طريق التحكم بحكام العالم، هذا باختصار ودون تطويل وتعقيد.


ونواصل مع اللسان: قال: "وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بكتاب الله وعترتي أحدهما أعظم من الآخر، وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، أيّ نور ممدود". قال أبو منصور: وفي هذا الحديث اتصال كتاب الله عز وجل (أيّ بالسماء كما قال في حواشي اللسان!)، وإن كان يتلى في الأرض وينسخ ويكتب، ومعنى الحبل الممدود: نور هداه. والعرب تشبّه النور الممتد بالحبل والخيط. قال تعالى: "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر"، يعني نور الصباح من ظلمة الليل، فالخيط الأبيض هو نور الصبح إذا تبين للأبصار وانفلق، والخيط الأسود دونه في الإنارة لغلبة سواد الليل عليه، ولذلك نعت بالأسود، ونعت الآخر بالأبيض، والخيط والحبل قريبان من السواء، (يعني ليسا سواء بالضبط وإنما هما قريبان أصل وفرع)، وفي حديث آخر: "وهو حبل الله المتين"، أيّ نور هداه، وقيل: عهده وأمانه الذي يؤمّن من العذاب. والحبل العهد والميثاق".


ونكتفي من اللسان بهذه الوجبة ونكمل في حلقة أخرى. لكن لا بد من تعليق، فأولاً وأخطر شيء جعل الكتاب والعترة على سوية واحدة، لا بل قد تكون العترة أحياناً أعظم لأنه قال أو زعم طبعاً أنّه قال، وأُقسم أنّه ما قال: فكيف يقول عن العترة والكتاب: "أحدهما أعظم من الآخر"، كيف تكون العترة أعظم؟ وكتاب الله منهج لا يزيغ فهل العترة معصومة كالكتاب؟ دخلنا في متاهة التشيع وروجنا لها ونحن نحسب أنّا نحسن صنعاً، ومنذ متى كانت الأنساب منجاة ومرقاة؟ ألم تنزل سورة "تبت" في عم المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ إنّ مثل هذه النصوص خطيرة جداً وتتشرب إلى ثقافتنا وفكرنا بنعومة بالغة، فكرة النسب والعائلات، نحن الذين أعلناها من أول يوم: لا كسروية ولا هرقلية. ما لكم؟!


والقرآن يعلن بأوضح وأصرح عبارة: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم"، فلم يقول القرآن هذه الحقيقة البديهية؟ ألم يقل إبراهيم عندما قيل له: "إني جاعلك للناس إماماً"، قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين". أيها الناس إنّا ندخل في ديننا غرائب وعجائب، أرأيت إلى نفي أن تكون نساء النبي من أهل البيت؟ ووالله ما أهل البيت في مصطلح القرآن إلاّ نساء النبي! آسف على هذا الانفعال، لكن حاجة تطقق! وحديث الحبال له اتصال.