الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 02:47 م

مقالات وآراء

محرك الثورات

حجم الخط

أرسل لي أحدهم تقريراً مترجماً من الألمانية خلاصته أن المحرك الرئيسي للثورات العربية ليس وليد العفوية، بل جاء من خلال مخطط طويل على أيدي أدمغة أميركية استراتيجية، استعانوا بخبرات مفكرين في الكفاح السلمي، من أمثال "جين شارب" (83 عاماً)، و"سيردجا بوبوفيتش". وهذا الأخير من قيادات الكفاح السلمي الصربي التي أطاحت "ميلوسوفيتش" عبر التظاهرات السلمية لحركة "أوتبور"، وأن الأخيرة دربت المصريين على هذه الأساليب الجديدة للإطاحة بمبارك، وكذلك بقية الثوار العرب، من أجل خلق شرق أوسط تجاري جديد. ويقول التقرير إن نشاط حركة "أوتبور" انتقل إلى فنزويلا وأوكرانيا وروسيا وجورجيا بألوان شتى. كل ما يحتاجه هؤلاء المفكرون الكفاحيون هو الاتصال ببضع مئات من الشباب، ويضعون برامج كمبيوترية تخيلية لتحرك الشارع وردة فعل الشرطة والأمن والجيش.

 

أتذكر حينما دعيت عام 2005 للمشاركة في نشاط قام به "تيري ميسان"، صاحب كتاب "الخديعة الكبرى"، وجاء من أميركا يومها محاضرون يتهمون الإدارة الأميركية بالتخطيط لتفجيرات 11 سبتمبر. بينما شكك "ميسان" في سقوط طائرة البنتاجون! في تلك الأيام وقع بيدي عدد من مجلة "دير شبيجل" الألمانية، وعلى الغلاف صورة لغاندي، وفي الداخل عرض لخمسة معاهد أميركية تهتم بموضوع الديمقراطية في العالم، وكيفية الانتقال "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية"، وهو عنوان كتاب "جين شارب" الذي ترجم إلى 23 لغة. أتذكر أن أحد تلك المعاهد تبني أسلوباً جديداً في الإطاحة بالديكتاتوريات، أحدها طبق فعلياً لإطاحة ميلوسوفيتش، أي الضغط الخارجي والتحريك السلمي الداخلي.

 

تعليقي على مرسل التقرير وخشيته من أن تكون كل هذه الثورات العربية فقاعات صابون، ينطلق من أمثلة في الفيزياء والبيولوجيا، إذ نعلم أن تسليط الحرارة على خمسة أوساط مختلفة، مثل الماء والشمع والحليب والبنزين والبارود، يعطينا خمس نتائج متباينة. وهذا ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.

 

كذلك الحال في علم البيولوجيا، كما نقل عن الطبيب "فيرشوف" وهو يتحدى بسمارك بعد خلاف سياسي حاد حيث قام "فيرشوف" بدعوة المستشار إلى مبارزة علنية، لكن بطريقة عجيبة. فقد طلب منه أن يأكل كلٌ منهما حشوةً من لحم السلامي المسمومة. أدرك بسمارك أن لا طاقة له بحيل الأطباء، وأنه سيموت لا محالة، فاعتذر وانسحب وربح الجولةَ فيرشوف. لا سر في تحدي فيرشوف، فتفاعل كل جسم للسموم يختلف كما تكلمنا في قوانين الفيزياء. كان فيرشوف يبلع جراثيم الكوليرا أمام تلاميذه ليثبت أن ليس من مرض بل هناك دوما مريض. هذه الفلسفة الألمانية استفاد منها الطب كثيراً، فلا يشترط بأي جائحة أن تعطي نماذج متوازية، بل بعد أن تضرب ضربتها وتصل إلى النقطة الحرجة من المقاومة فتودع، وهذا هو سر اختفاء الطاعون من المدن قديماً بعد أن يهلك معظم السكان لتتشكل المناعة. وهو ما حدث في الأنفلونزا الإسبانية التي بدأت عام 1914 في أميركا وأخذت إلى المقابر 600 ألف إنسان.

 

وهذا هو الجواب على انفجار الثورات العربية، إنها القابلية والاستعداد والاحتقان، تماماً مثل انفجار الأمراض، وضرب الصواعق باحتقان السحب المحمولة بعظيم الطاقة.يقول الله تعالى "ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء".

 

حين تحرك الخميني في وجه الشاه قالت مجلة "الحوادث" اللبنانية يومها، إن أميركا أرادت تأديب الشاه، لكن "المريض" توفي من الصفعة الأولى! فالحادث تجاوز نية الفاعل. وهذا ما حدث ويحدث في العالم العربي.

 

قال تعالى "ويقولون أحق هو؟ قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين".