الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 09:14 ص

مقالات وآراء

رفضنا للمفاوضات.. متغير سياسي وليس ثابتاً شرعياً

حجم الخط

مبدأ التفاوض غير مرفوض في الإسلام فالرسول صلى الله عليه وسلم تفاوض مع المشركين وانتهى الأمر بعقد صلح الحديبية الذي وصفه القرآن بالفتح المبين والنصر العزيز وهي أوصاف لم يطلقها على المعارك العسكرية التي اقتصر وصفها ب'فتح ونصر قريب 'ولكنه أطلقها على المعركة السياسية لتبيان أهميتها لنا.

وقد يثير البعض شبهة هنا وهي أن واقعنا اليوم مختلف فنحن أمام دولة قامت على أساس باطل وهو اغتصاب أرضنا وطردنا من ديارنا لتحل محلنا.والرد على هذه الشبهة بأن هذا لا يعد فرقاً كبيراً بين حالتنا وحالة الرسول وأصحابه لأن الرسول عندما تفاوض مع قريش قبل صلح الحديبية تفاوض معهم وهم قد أخرجوه من مكة وكان هو وأصحابه يقيمون في المنفى وكانت قريش تمنعهم من العودة إلى ديارهم.

 وحركة حماس وهي ترفض التفاوض منذ تأسيسها حتى الآن لا ترفضه لاعتقادها بحرمته الشرعية ولكن رفضها له كان من منطلقات سياسية وهي أن الاحتلال غير مهيأ لإعطاء الفلسطينيين أي مكاسب سياسية فليس من الحكمة إضاعة الوقت في مفاوضات عبثية لن تحقق لنا شيئاً.

 وبهذا المنطق فلو تهيأت الظروف في مرحلة ما وظهر أن بالإمكان تحقيق إنجاز بالتفاوض فلن يكون هناك مانع من سلوك هذه الطريق بل إنها ستكون مقدمةً على المقاومة العسكرية لأن الدين والعقل يقولان بأنه لو كان هناك طريقان يوصلان إلى نفس النتيجة أحدهما معبد بالدم والقتال والعنف والآخر هو طريق المفاوضات والسياسة لوجب اختيار الطريق الآخر لأن إراقة الدماء ليس هدفاً لذاته و إنما هي وسيلة نضطر إليها إذا عدمت الوسائل الأقل تكلفة .

 وعندما أوجب القرآن القتال على المسلمين قال:'كتب عليكم القتال وهو كره لكم'في حين أنه امتن عليهم بتوقف القتال في مراحل أخرى:'وهو الذي كف أيديكم عنهم وأيديهم عنكم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم'ولاحظوا هنا أنه قدم كف أيدي الصحابة عن المشركين على كف أيدي المشركين عن الصحابة فلم تكن النعمة التي تذكرها هذه الآية هي حماية الصحابة من هجوم المشركين وحسب وإنما هناك نعمة تقدمتها وهي توقف الصحابة عن القتال لأن القتال بطبعه بغيض ومنافٍ للفطرة البشرية.

 لست مفرطاً في التفاؤل بإمكانية تحقيق اختراق سياسي من خلال التفاوض مع الاحتلال لأننا نتعامل مع قوم لا يؤمنون إلا والجبل واقع بهم كما أخبرنا القرآن عنهم فإذا انزاح الجبل من فوق رءوسهم عادوا إلى كفرهم وغيهم فهم لا يقدمون تنازلات إلا وسيف القوة مشرع في وجوههم ومن هنا وجب الاحتفاظ بخيار المقاومة كورقة قوة نستخدمها حين يقتضي الأمر ذلك.

 ولكن ما دفعني للحديث في هذا الشأن هي الحساسية التي يتعامل بها قطاع كبير من أبناء الحركة الإسلامية تجاه أي تلميح أو تصريح حول التفاوض مع الاحتلال وكأنه محرم على إطلاقه دون اعتبار للظروف والحسابات السياسية التي تتطلب أحياناً إطلاق مثل تلك التلميحات أو التصريحات دون أن يعني إطلاقها تخلياً عن الثوابت أو تنكراً لخيار المقاومة.

 علينا أن نتخلص من هذه الحساسيات التي تشكلت لدينا بفعل العاطفة دون أن يكون لها سند من دين أو عقل وأن ننظر إلى الأمور بمنظار أوسع بعين من الحكمة والعقلانية.

أحمد أبو رتيمة