الخميس 29 يناير 2026 الساعة 06:45 ص

مقالات وآراء

اتفاقيات كامب ديفيد تترنح

حجم الخط

تراقب الحكومة الاسرائيلية عن كثب تطورات الاوضاع في مصر منذ نجاح الثورة الشعبية في الاطاحة بنظام الرئيس حسني مبارك الذي كان حليفا مخلصا لها وحريصا على استمرار عملية السلام معها، وحاميا لحدودها.

 

ولكن من المؤكد ان هذه المراقبة تضاعفت واصبحت مشوبة بالقلق الشديد بعد ظهور نتائج المرحلة الاولى من الانتخابات التشريعية المصرية وتحقيق الاسلاميين بشقيهم الاخواني والسلفي نصرا كاسحا في حدود 65'.

 

الاسرائيليون يعرفون جيدا ان القضية الابرز التي يجتمع عليها المصريون هي معارضتهم لهم ولاحتلالاتهم البغيضة، ومطالبهم التعجيزية المهينة، سواء كانوا اسلاميين او ليبراليين، والفارق الاساسي هو درجة هذه المعارضة، وحجم هذا العداء، فبينما يصل لدى الاسلاميين الى ذروته صعودا، قد يحتل مراتب مماثلة او اقل لدى الليبراليين، الامور نسبية وحسب موقف الشخص وقناعته.

 

اكثر ما يحصل عليه الاسرائيليون في الملف المصري هو استمرار الالتزام بمعاهدة كامب ديفيد التي تضبط اتفاقيات السلام، وبالتالي العلاقات بين البلدين. لقد عاشت اسرائيل هدوءا لم تحلم به على مدى السنوات الاربعين الماضية، عندما تحول النظام المصري الى حارس امين لحدودها مانعا اي تسلل عبرها، سواء لرجال المقاومة او المهاجرين الافارقة الباحثين عن لجوء اقتصادي.

 

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي عبر بوضوح عن هذه المسألة في خطاب القاه امس تحدث فيه عن ضرورة الاسراع ببناء الجدار العازل على الحدود المصرية ـ الاسرائيلية، وعبر عن امله ان تلتزم الحكومة المصرية الجديدة باتفاقيات السلام. ولاحظ المراقبون، ونحن منهم، ان نبرته كانت هادئة ولم تتسم بالعجرفة، والتعالي ولا اصدار الاوامر مثلما كان عليه حال خطاباته السابقة.

 

نتنياهو يعرف جيدا ان زمن الاذعان المصري الذي عاشه الاسرائيليون لعدة عقود قد ولى الى غير رجعة، وان النظام المصري الذي يتبلور حاليا من خلال صناديق الاقتراع سيؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة العربية بأسرها، عنوانها الابرز انهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية، واستعادة الأمة لكرامتها المهدورة من جراء الحروب والهزائم.

 

فمن كان يصدق ان نتنياهو الذي رفض، ومازال يرفض، الاعتذار لتركيا عن مقتل شهداء سفن الحرية يسارع للاعتذار للشعب المصري وحكومته عن استشهاد خمسة جنود مصريين برصاص الجيش الاسرائيلي في سيناء. ومن كان يتصور ان تتدخل قوات الأمن المصرية، وفي اللحظة الأخيرة لإنقاذ حراس السفارة الاسرائيلية من القتل اثناء اقتحامها من قبل الشباب المصري الغاضب؟

 

اسرائيل ستبني حتما جداراً عنصرياً جديداً على حدودها مع مصر، مثلما بنت جداراً آخر في الضفة الغربية، لانها لا تستطيع ان تعيش او تتعايش مع جيرانها، عرباُ كانوا أو أوروبيين، مثل باقي البشر، وفي زمن تتساقط فيه الاسوار، ليس لعدم جدواها فقط وانما ايضاً بسبب العولمة وحالة الانفتاح الثقافي والحضاري والاقتصادي التي تسود العالم في القرن الحادي والعشرين.

 

ما لم يفهمه نتنياهو وكل المتطرفين الذين يتبنون نهجه، ويفكرون مثله، ان الاسوار العازلة لن تحمي الاسرائيليين، والشيء نفسه يقال ايضا عن اي اتفاقيات سلام منقوصة ومهينة، وعلى رأسها اتفاقيات كامب ديفيد، ما يمكن ان يحمي الاسرائيليين هو النزول من عليائهم والقبول بالآخر والتعايش معه على قدم المساواة، والكف عن الحروب والاحتلالات.

 

مصر تتغير وبسرعة، وكذلك الوطن العربي بأسره، ولكن اسرائيل ترفض ان تتغير، ومازالت تتمسك بطابعها الجشع والمتسلط واهانة الآخر وسلب حقوقه، ولذا تجد نفسها معزولة في محيطها وعبئاً على اصدقائها في الغرب. اما اذا حاولت خوض حرب جديدة في المنطقة مثلما تهدد حالياً لكسر هذه العزلة، ومنع عملية التغيير، فانها ستكون اكبر الخاسرين.