الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 08:46 ص

مقالات وآراء

زمان الإسلاميين..وأولويات ما بعد الحكم (2-2)

حجم الخط

الثورات لم تقم لإزالة طاغوت واستبدال طاغوت آخر به، بل لاجتثاث الطغيان من جذوره لذلك لا بد من معالجة الأسباب الثقافية والاجتماعية والسياسية العميقة التي أنتجت الاستبداد في وطننا العربي، وإذا كانت الأنظمة السابقة قد تحولت إلى أنظمة استبدادية في ظل استفرادها المطلق بالسلطة وغياب المحاسبة والمراقبة، فإنه لا بد لأي نظام سياسي قادم أن يقوم على مبدأ الشراكة السياسية الحقيقية، وتوزيع السلطات وتعزيز الرقابة الإدارية والسياسية، وإشاعة ثقافة احترام الرأي الآخر، والشراكة بين الجمهور..

 

لأن أي حزب مهما كانت روعة مبادئه وأفكاره فإنه لا يزيد في نهاية المطاف عن كونه جهداً بشرياً يعتريه الخطأ والقصور، ولا بد أن تستكمل جهوده بالأحزاب والقوى الأخرى التي تنظر من زاوية أخرى فترى أشياء جديدةً لا يراها هذا الحزب أو الجماعة، ولا يحق لأي حزب كائناً من كان أن يسعى إلى قولبة المجتمع كله في قالبه الحزبي، بل يحترم تعدد الآراء والاجتهادات دون تخوين أو تشكيك..

 

حين ينشأ جو ديمقراطي صحيح قوامه الحريات والتعدد، والتداول السلمي للسلطة، وتعزيز الرقابة والمحاسبة، ونشر الوعي السياسي في الشعب فإنه لا يضير حينها أن يفوز الإسلاميون أو العلمانيون، لأن أي جهة فائزة ستكون تحت دائرة الضوء ولن تستطيع أن تخرج عن الخط الوطني العام، وستصنع ألف حساب في كل خطوة تخطوها لرأي الشعب، أما حين يغيب هذا الجو الديمقراطي فإن فوز الإسلاميين أو غيرهم لن يكون ذا قيمة كبيرة لأنه لن يزيد عن كونه استبدال استفراد باستفراد، والاستفراد هو طريق الاستبداد والفساد..

 

الأولوية الثانية التي تنتظر الإسلاميين على رأس الحكم هي العمل على تعزيز الاستقلال والاعتماد على الذات، وإنهاء حالة الارتهان الاقتصادي والسياسي للغرب، فمن المعيب بحق دولة كبرى كمصر مثلاً أن تظل مرتهنةً لما يسمى المساعدة الأمريكية السنوية، وأن تستخدم هذه المساعدة التي هي ليست مساعدةً في الحقيقة لابتزاز المواقف السياسية، مع أن مصر تمتلك من الإمكانيات المادية والبشرية ما تستطيع أن تحقق به اكتفاءً ذاتياً، وأن تكون يدها هي اليد العليا وليست اليد السفلى، والتحرر الاقتصادي ضروري للتحرر السياسي ولاستعادة المكانة الإقليمية والدولية، لذلك فإن من الأولويات الملحة في المرحلة القادمة هي العمل على إشاعة ثقافة الإنتاج، وأن نأكل مما عملت أيدينا، وليس مما يلقى إلينا من فتات..

 

نعلم أنها مهمة ليست يسيرةً فهناك الكثير من العقبات، والغرب الاستعماري الخبيث يدرك جيداً خطورة تحرر العرب اقتصادياً وسياسياً على مستقبل هيمنته على العالم، وقد عمل طوال المرحلة السابقة على تعميق حالة الاعتماد عليه في كافة مناحي الحياة الثقافية والاقتصادية والإعلامية والسياسية، لكنها مهمة ليست مستحيلةً أيضاً، وهي جهاد الساعة الذي ينبغي أن تتضافر كل الجهود من أجل إنجازه..

 

كذلك فإن من الأولويات التي ينبغي أن يعمل الإسلاميون عليها هي تعزيز حضور الهوية الإسلامية والعربية في المجتمعات في مجالات الإعلام والثقافة ومناهج التعليم، وعلى مكافحة مظاهر التغريب والسفور والانحلال الأخلاقي، فالجماهير عطشى لكل ما يذكرها بتاريخها وقيمها الإسلامية، وما ينبغي أن تصل حالة التماهي ومحاولة استرضاء الآخرين من قبل فريق من الإسلاميين أن يخلعوا ثوبهم ويميعوا مبادئهم لإظهار أنفسهم بأنهم عصريون، فالجماهير تحترم من يعتز بهويته أكثر ممن يتخلى عن هذه الهوية، وليس من الحرية في شيء أن يطلق العنان للترويج للرذيلة والفساد والانحلال، فالحرية التي ندعو إليها ونطالب بالعمل على تعزيزها في المرحلة القادمة هي الحرية الفكرية والسياسية والعقدية ، وليست الإباحية والفساد الأخلاقي..

 

هذه الأولويات هي أمثلة لما ينبغي أن تكون عليه طبيعة توجه الإسلاميين بعد إمساكهم بالسلطة ، وهي أولويات أظن أنها مقدمة على ما يسارع لطرحه الشباب المتحمس من الدعوة إلى فرض المظاهر الإسلامية، أو إعلان إسلامية الدولة، فمعالجة الجذور والأسباب أهم من معالجة المظاهر، والعبرة ليست بالشعارات بل هي بالعمل المتدرج الواعي..

 والله الهادي إلى سواء السبيل..