1- هجرة وهجرة
تتزامن ذكرى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا العام مع هجرة كرام أعزة أحرار أبرار من سوريا في ظروف صعبة قاسية، دون أن تتبنّاهم جهة، وتحل مشكلتهم الإنسانية. وهذا يوجب علينا أن نكون الأنصار لهؤلاء المهاجرين، ولا نتركهم لقسوة الشتاء والظروف وفجور نظامهم الذي فرّوا بدينهم من وجهه.
ويشاء الله أن يجعل لهؤلاء الكرام أسوة تعزّيهم وتقوّيهم وتشدّ من أزرهم بأن جعل الهجرة تكاد تكون، بل هي بالفعل سُنّة من سنن أنبياء الله، بمعنى أنّها ناموس مطرد، لا على معنى أنّ الأنبياء يطلبونها أو يحفزون عليها، لا ولكن الباطل المستقوي والمالك القوة لا يطيق التعايش مع الحق، وسجّل القرآن الكريم ذلك في عديد من سوره وآياته، ومن ذلك: "وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد." إبراهيم13-15.
فكل مهاجر سيؤوب، ويسكن الأرض التي هجر منها، ويرث سلطان من هجره إن شاء الله. أما رأيتم كيف آب أحرار تونس وطرد الطاغية؟ وآب أحرار مصر واعتقل الطاغية؟
وهل لاحظت السورة التي ورد فيها هذا النص؟ إنّها سورة إبراهيم، أشهر مهاجر وأعظم مهاجر بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، (هو أعظم مهاجر قبل نبينا، بمعنى القبْلية الزمنية!) ولاحظ الأنساق القرآنية العجيبة!
هذا النبي العظيم الذي قال: "إنّي مهاجر إلى ربي إنّه هو العزيز الحكيم" العنكبوت26، إنّه لم يختر ولم يحدد وجهته في الهجرة، ولكنّه أسلم زمامه إلى الله، وتركه بيد الله، يوجهه كيف يشاء أين يشاء، فقاد خطاه إلى فلسطين. فكانت مهاجره، وازدادت به شرفاً على شرف وبركة على بركة وقدسية على قدسية وبهاء على بهاء ونوراً على نور وفخراً على فخر وعزاً على عز، وعظمة على عظمة!
ومن فلسطين أمره الله بالتوجه إلى أرض البيت الحرام ليسكن زوجه وولده الوحيد الرضيع "بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم"، وقضّى إبراهيم حياته مهاجراً بين مكة وفلسطين، ليعقد الله الحكيم الصلة الوثقى بين البلدين والمسجدين، ويبني إبراهيم عليه السلام المسجد الحرام، البيت العتيق الذي ببكة (مكة)، ويبني هو نفسه المسجد الأقصى لأول مرة.
وتأتي رحلة الإسراء توثيقاً للروابط والعرى والوشائج والصلة والقربى، والمعاني الرمزية التي لا تنتهي! والإسراء نوع من الهجرة ولو إلى حين قصير!
2- الهجرة سُنّة كونية واجتماعية
أما أنّها سنة كونية، فإنّ الكون كله في حالة ارتحال دائب، فمن الذرة إلى المجرة، كل ما في الكون مهاجر مرتحل لا يستقر على حال ولا يهدأ ثانية، فالكون حركة لا تعرف السكون "وكل في فلك يسبحون"، فسنة الكون الحركة والدأب والارتحال. والحيتان في البحر تهاجر والدلافين والأسماك المختلفة تهاجر للتكاثر والبحث عن الغذاء، والطيور المهاجرة تقطع آلاف الأميال وتعود إلى وطنها.
ومن أعجب المهاجرين سمك السلمون، الذي يموت كله في مهاجره، وتعود الأبناء إلى موطن الآباء، ويموت ثلثا العائدين في طريق العودة، لتستأنف الرحلة من جديد، والجراد يعبر القارات أحياناً.
وأما هجرات الأجناس البشرية، فمنها الطوعية والقسرية. فأمريكا ملأى بالأفارقة الذين اختطفوا من قارتهم، حتى أفرغت من شبابها، وإفريقيا ملأى بالمستعمرين البيض الذين سموا أنفسهم "أفريكانز" وما هم من الأفريكانز. وهل نسينا أننا أبناء المهاجر الأول أبونا آدم عليه السلام. فما الدنيا إلاّ مخيم كبير للاجئين، ونحن عائدون إلى وطننا، الجنة إن شاء الله. فما يبدو أنّه سكن واستقرار ما هو في الحقيقة إلاّ محطة انتظار، أو نقطة "ترانزيت" بانتظار بدء الرحلة إلى الآخرة. "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه"، "كما بدأكم تعودون".
وأمّا الأنبياء، فالهجرة من سننهم وناموسهم. وقد ذكرنا إبراهيم ذا الهجرتين، إلى فلسطين ثم إلى مكة، وموسى هو أيضاً ذو هجرتين، إلى مدين، ثم الخروج الكبير من مصر، وهو خروج بلا عودة ثم "أربعين سنة يتيهون في الأرض"، وقصة يوسف المهاجر نزلت قبل الهجرة، فكأنّها إرهاص بالهجرة وللهجرة. وصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم منهم من هاجر الهجرتين، فالهجرة سنة ماضية.
أرأيت إلى ورقة بن نوفل كيف فهم السنة في الأنبياء عندما راجعته أمنا خديجة، وهو من أبناء عمومتها، راجعته في شأن ما رأى المصطفى في بدء الوحي فقال وهو يعلم السنن ما معناه "ليتني أكون شاباً قوياً لأنصرك حين يخرجك قومك"، فيسأل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقرأ كتاباً ولا عرف سنن الأنبياء من قبل، قال: "أومخرجي هم؟" فقال: "ما جاء نبي بمثل ما جئت به إلاّ وأخرجه قومه".
وخلاصة هذا الناموس، أنّ الباطل وأهله يضع أهل الحق في خيار صعب؛ القتل، أو النفي والتشريد، أو فقدان الدين بالفتنة. فيختار الدعاة وسادة الدعاة الأنبياء يختارون أهون الحلول وهو حل الهجرة والارتحال من الوطن، مع غلاوة الوطن ومشقة الارتحال عنه، لكن الدين أغلى، فمن ضحّى بالغالي من أجل الأغلى، جمع الله له الغالي والأغلى.
3- الأسباب والتوكل في الهجرة
من قرأ هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم شعر بقدر من الأخذ بالأسباب، بحيث لا يمكن تدارك شيء على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم. ولا ندخل في تعداد كل الإجراءات، بدءاً من إعداد الرواحل ورفيق الطريق ودليل الطريق ومن يزود بالأخبار ومن يعفّي على الآثار ومن يأتيهم بالتموين ومن يبيت في فراشه ليؤخّر الملاحقة بضع ساعات في غاية الأهمية تمكّنهم من الاختفاء والاختباء في غار ثور. ثم إنّ المدينة تقع شمالاً وهي الوجهة، فيتّجه النبي جنوباً للتعمية، ويظلّ في الغار ثلاثة أيام حتى يهدأ الطلب، ثم يخرج. لا يمكن أن تعدّل على خطته، إنّه أخذ مطلق بالأسباب، وبعد ذلك توكُّل مطلق، وكأن لا أسباب هذه عظمة الإسلام وأمة الإسلام..أسباب وتوكل، وهذا درس مهم.
4- الهجرة والجهاد
يظن الواهمون أنّ الهجرة نوع من طلب النجاة، أو الفرار بالدين فحسب، ولا ضير في ذلك، لكن الهجرة ليست كذلك، إنّها بالضبط تحرّف لقتال وتحيّز إلى فئة، وضم صفوف لملاقاة العدو. إنّه تحشيد الطاقات وتعبئة القدرات وتوظيف الأيام والساعات وكل الإمكانات في سبيل العودة. من هنا فإنّ الهجرة لم ترد في القرآن إلاّ مقترنة بالجهاد، فقد ورد "هاجروا وجاهدوا" في البقرة 218، والأنفال 72، 74، 75، والتوبة 20، وفي آل عمران: "هاجروا.. وقاتلوا وقتلوا" 195.
وحتى حدث الهجرة، فإنّ القرآن قد سجّله في سورة الجهاد المتخصصة، سورة التوبة، وقبله الحديث عن الجهاد والنفرة، وبعده كذلك، وتأمل السياق: "يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض.."، "إلاّ تنفروا يعذبكم.."، "إلاّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا.."، "انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله"، فحديث الهجرة بين النفرة والنفرة.
5- من دروس الهجرة
أ- سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لا تنقضي عجائبها، لأنّها الصورة العملية للقرآن الذي لا تنقضي عجائبه، والصورة كالأصل. ومع تجدد الأحداث تعطيك السيرة ألواناً وأنواراً كاشفة في ضوء المستجدات، فترى للسيرة طعماً ونكهة جديدة بحسب المستجدات.
ب- أول الإنجاز النبوي في المدينة بعد الهجرة، المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وهذا بحد ذاته درس كبير. خاصة وأنّ العصبيات تعشش في النفوس كبعض الفيروسات الكامنة تنقضّ في أيّ لحظة من غفلة.
ج- المسجد منارة المجتمع، ومحور تجميع عناصره، ومشروعه الذي تصبّ فيه كل الجهود، فيشعر كل فرد أنّ له إسهامه في هذا المشروع. ولذلك باشر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد لكل هذه الاعتبارات، فهو مدرستهم وناديهم وندوتهم وبرلمانهم ومقرّ رئاستهم ومركز شوراهم، هو حياتهم ونورهم باختصار.
د- الدستور، لعلّه من أول ما أنجز من دساتير في تاريخ الحضارة الإنسانية، وكفل المساواة والمواطنة للجميع، وبنوده تحتاج إلى دراسة متأنّية لترى مقدار ما فيه من عظمة وحق وعدل.
هـ- إنجاز السوق الإسلامية، وتخليص الاقتصاد من الاستعمار اليهودي، لأنّه لا استقلال في ميدان السياسة ما لم يكن ثمة استقلال في الاقتصاد.
و- بدء الإعداد والتدريب والتجييش وتجهيز السلاح لبدء رحلة العودة المظفرة بالقتال، فلم يُضع المصطفى صلى الله عليه وسلم دقيقة في سبيل هذا الهدف، فلم تمض بضع سنين حتى كانت جحافل الإسلام على أبواب مكة تضجّ بالتكبير تطهّر البيت من مظاهر الشرك، وتتنزّل سورة النصر على نبي النصر وأمة النصر التي أخذت بأسباب النصر، واعتبرت الهجرة انتقالاً من الاستضعاف إلى الاستخلاف، ومن هنا انطلقت في رحلة العودة.
لقد جاء لأمة النصر والفتح "جاء نصر الله والفتح"، ودخل العرب "في دين الله أفواجاً"، فالحمد لله والله أكبر..
هذه قطرة من بحر معاني الهجرة ودروسها.
